*نيسان الذي لا ينتهي: من شرارة 1975 إلى جراح 2026* كتب العميد الركن الدكتور بهاء حلال في تاريخ الشعوب، هناك أشهر تمرّ كغي

عاجل

الفئة

shadow
*نيسان الذي لا ينتهي: من شرارة 1975 إلى جراح 2026*



كتب العميد الركن الدكتور بهاء حلال

في تاريخ الشعوب، هناك أشهر تمرّ كغيرها، وهناك أشهر تتحوّل إلى ذاكرة حيّة، تختزن الألم والتحوّلات الكبرى. وفي لبنان، يبدو أن شهر نيسان ليس مجرّد فصل من فصول الربيع، بل هو فصل من فصول الجرح المفتوح. من الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت في 13 نيسان 1975، إلى أحداث نيسان 2026، يتكرّر المشهد، وتتبدّل التفاصيل، لكن البنية العميقة للأزمة تبقى على حالها.

هذه المقالة ليست مجرد سرد تاريخي، بل محاولة لربط الماضي بالحاضر، وفهم كيف يمكن للحظة واحدة أن تُشعل حربًا، وكيف يمكن للشائعات والخوف والانقسام أن تتحوّل إلى وقود دائم للعنف.

أولًا: 13 نيسان 1975 – عندما اشتعلت الشرارة

في ذلك اليوم، لم يكن أحد يتوقّع أن حادثة محدودة ستتحوّل إلى حرب دامت خمسة عشر عامًا. بدأت القصة بإطلاق نار على مسؤولين في حزب الكتائب، ثم جاء الرد سريعًا وقاسيًا: إطلاق النار على حافلة تقل فلسطينيين في منطقة عين الرمانة.

لكن السؤال الأهم ليس “ماذا حدث؟” بل “لماذا تحوّل هذا الحدث إلى حرب؟”

الجواب يكمن في السياق:

– احتقان طائفي متراكم
– وجود السلاح خارج إطار الدولة
– انقسام سياسي حاد
– تدخلات إقليمية ودولية

كانت البلاد أشبه ببرميل بارود، ولم تكن الحادثة سوى الشرارة.

ثانيًا: الحرب الأهلية، حين تفكّكت الدولة

ما تلا 13 نيسان لم يكن مجرد اشتباكات، بل انهيارًا تدريجيًا للدولة:

– تفكّكت المؤسسات
– نشأت خطوط تماس
– تحوّلت الأحياء إلى كانتونات
– صار الانتماء الطائفي أقوى من الانتماء الوطني

في تلك المرحلة، لم تعد الحقيقة واحدة. كل طرف امتلك روايته، وإعلامه، و”حقيقته”. وهنا بدأ الخطر الحقيقي: عندما تصبح الحقيقة نسبية، يصبح العنف مبرّرًا.

ثالثًا: نيسان 2026 – المشهد يتكرّر بأدوات مختلفة


بعد 41 عامًا، وفي الشهر ذاته، يعود نيسان ليحمل أخبارًا دامية. في 7 نيسان 2026، استهدف القصف الإسرائيلي منطقة عين سعادة، وسقط ضحايا، من بينهم بيار معوض وزوجته وسيدة أخرى.

مرة جديدة، لا يتوقّف المشهد عند الحدث نفسه، بل يمتد إلى ما بعده:

– شائعات عن دراجة نارية
– تساؤلات عن سكان الشقة المجاورة
– روايات متضاربة
– تحليلات متسرّعة

وهنا تكمن الخطورة: ليس فقط في القصف، بل في ما يليه من مناخ نفسي واجتماعي.

رابعًا: الشائعات هي الوقود الأخطر

في عام 1975، لعبت الشائعات دورًا كبيرًا في تأجيج التوتر. وفي عام 2026، ورغم تطوّر وسائل الإعلام، ما زالت الشائعة أكثر سرعة وانتشارًا.

الشائعة خطيرة لأنها:

– تُبنى على الخوف
– تنتشر دون تحقق
– تعزّز الانقسام
– تُحوّل الشك إلى اتهام

في مجتمع منقسم أصلًا، يمكن لجملة واحدة غير دقيقة أن تُشعل أزمة.

خامسًا: أوجه الشبه اذن لماذا يتكرّر المشهد؟

عند المقارنة بين نيسان 1975 ونيسان 2026، تظهر مجموعة من التشابهات المقلقة:

1. الهشاشة الداخلية
الدولة لا تزال ضعيفة أمام الأزمات، وغير قادرة على ضبط السلاح أو احتواء التوترات بسرعة.

2. الانقسام السياسي والطائفي
الخطاب السياسي ما زال قائمًا على التخويف والتحريض، لا على بناء الثقة.

3. تداخل الداخل بالخارج
كما في السبعينيات، لا يزال لبنان ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية.

4. غياب الذاكرة الجماعية الموحّدة
لم يتم الاتفاق حتى اليوم على رواية واحدة للحرب الأهلية، ما يجعل الأجيال الجديدة عرضة لتكرار الأخطاء.



سادسًا: أوجه الاختلاف فما ما الذي تغيّر؟

رغم التشابه، هناك اختلافات مهمة:
– المجتمع اللبناني اليوم أكثر وعيًا بخطورة الحرب
– هناك ذاكرة جماعية للألم، حتى لو كانت غير موحّدة
– وسائل الإعلام أكثر تنوّعًا، لكنها أيضًا أكثر فوضى
– الكلفة الاقتصادية لأي حرب اليوم أكبر بكثير

هذه العوامل قد تشكّل عناصر ردع، لكنها ليست ضمانة كافية.

سابعًا: الخطر الحقيق هو تطبيع العنف

أخطر ما في تكرار الأحداث ليس الحدث نفسه، بل الاعتياد عليه.
عندما يصبح القصف خبرًا عاديًا،
وعندما تتحوّل الشائعات إلى نقاش يومي،
وعندما يُفسَّر كل حدث بمنظار طائفي،

فإن المجتمع يبدأ تدريجيًا بفقدان حساسيته تجاه الخطر.

وهنا يصبح الانفجار الكبير ممكنًا، ليس لأنه مفاجئ، بل لأنه لم يُمنع.

ثامنًا: مسؤولية الأجيال الجديدة

هذه المقالة موجّهة بشكل خاص إلى طلاب لا يعرفون تاريخ لبنان. وهنا تكمن المسؤولية.

أنتم لستم شهودًا على الحرب، وهذا أمر إيجابي. لكن عدم المعرفة قد يكون خطرًا إذا لم يُعالج.

المطلوب ليس فقط معرفة ما حدث، بل فهم:


المطلوب ليس فقط معرفة ما حدث، بل فهم:

– كيف تبدأ الحروب
– كيف تتحوّل الأحداث الصغيرة إلى كوارث
– كيف تُستخدم الشائعات كأدوات
– كيف يمكن للانقسام أن يدمّر المجتمعات
التاريخ ليس مادة للحفظ، بل أداة للفهم.

تاسعًا: كيف نمنع تكرار التاريخ؟
منع تكرار الحرب لا يكون بالشعارات، بل بخطوات واضحة:

1. تعزيز ثقافة النقد والتحقق
عدم تصديق كل ما يُنشر، خصوصًا في لحظات التوتر.

2. فصل الحدث عن التفسير الطائفي
ليس كل حدث موجّهًا ضد طائفة، حتى لو تم تصويره كذلك.

3. المطالبة بدولة قوية
دولة قادرة على فرض القانون وحماية مواطنيها.

4. تعليم التاريخ بشكل موضوعي
لأن الجهل هو البيئة المثالية لتكرار الأخطاء.

واخيرا : نيسان بين الذاكرة والمصير

ما أشبه نيسان 1975 بنيسان 2026، ليس فقط في الأحداث، بل في الإحساس العام: التوتر، الخوف، كثرة الروايات، وغياب اليقين.

لكن الفرق الحقيقي يجب أن يكون في الوعي.

لبنان لا يحتاج فقط إلى وقف الحروب، بل إلى فهمها. لا يحتاج فقط إلى إحياء الذكرى، بل إلى استخلاص الدروس.

نيسان ليس قدرًا محتومًا، بل إنذار متكرّر.

والسؤال الذي يبقى مفتوحًا أمام كل جيل:
هل سنبقى نعيش الذكرى نفسها، أم نمتلك الشجاعة لنكسر الحلقة؟

الجواب لا يُكتب في كتب التاريخ، بل في وعي من يقرؤونه.

الخاتمة :
في النهاية، ليس المطلوب منّا أن نحفظ تواريخ الحروب، بل أن نفهم كيف تبدأ… ولماذا تستمر. إن نيسان الذي أشعل الحرب في الماضي، هو نفسه نيسان الذي يذكّرنا اليوم بأن الخطر لا يأتي دائمًا من الحدث الكبير، بل من تراكم الصمت، والخوف، والانقسام.

قد لا نملك القدرة على تغيير الماضي، لكننا نملك وعي الحاضر، وهذه مسؤولية لا تقل أهمية. فكل شائعة نرفض تصديقها، كل خطاب تحريضي نواجهه بالعقل، كل محاولة لتقسيمنا نردّ عليها بالوعي… هي خطوة حقيقية في منع حرب جديدة.

لبنان لا يحتاج إلى ذاكرة مثقلة بالألم فقط، بل إلى جيل يقرأ هذا الألم ويفهمه، ثم يختار ألا يكرّره.

أنتم هذا الجيل.
والتاريخ، هذه المرة، يجب أن يُكتب بطريقة مختلفة.

الناشر

شعلان اسماعيل
شعلان اسماعيل

shadow

أخبار ذات صلة