لم يقرأ ولم يسمع أحد من أيّ مسؤول إيراني على مختلف المستويات أنّ إيران تريد التفاوض نيابة عن لبنان. كلّ ما فعلته إيران هو أنها جعلت مطلب وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان بنداً رئيسياً في الورقة التي سلّمتها للوسيط الباكستاني لنقلها إلى الأميركيين والمتضمّنة عشرة بنود.
ويعرف كلّ العالم من دون استثناء أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن في تصريحات رسمية صادرة عن البيت الأبيض موافقته على الورقة الإيرانية بكامل بنودها، ومن ضمنها البند المتعلّق بوقف كامل للعدوان الإسرائيلي على لبنان.
كان هذا يوم الثلاثاء الماضي (7 نيسان)، على أن يسري مفعول وقف النار على كلّ الجبهات عند الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الأربعاء 8 نيسان، وإذ بالسلطة اللبنانية تطالب باكستان بعدم التطرق إلى الوضع في لبنان خلال الاجتماعات غير المباشرة بين الوفدين الإيراني والأميركي. وقد حصل هذا في اتصال هاتفي أجراه رئيس الحكومة نواف سلام بنظيره الباكستاني شهباز شريف، الأمر الذي تسبّب بمجزرة الأربعاء الأسود التي ارتكبها العدو الإسرائيلي ضدّ المواطنين اللبنانيين في كلّ المناطق بدءاً من العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية وصولاً إلى الجبل والبقاع وطبعاً الجنوب الذي بقيَ يتعرّض للقصف الهمجي الوحشي حيث ارتقى 13 شهيداً من عناصر جهاز أمن الدولة نتيجة استهداف العدو لمقرّهم في سرايا النبطية يوم الجمعة الفائت، كما ارتقى عشرات الشهداء في الغارات الصهيونية الوحشية على مدن وقرى عديد في الجنوب...
كلّ هذه التضحيات والخسائر والفظاعات هي فقط من أجل إرضاء غرور هذا وذاك وتلك، ولا همّ لهم إنْ وضعوا أنفسهم في موقع الشريك في الجريمة من أجل أن يقولوا لمن أتى بهم إلى السلطة أنهم نجحوا في أداء المهمة المطلوبة منهم، وهم بالفعل في هذا حققوا "نجاحاً باهراً"!
ألم يكن من الأجدى لكم أيها "السلطويون" أن تأخذوا وقف إطلاق النار الذي كان متوفراً ووضعته إيران بين أيدي اللبنانيين، ثم فلتذهبوا إلى المفاوضات بلا نار، وتجرّبوا حظكم مع عدو لم يعطِ في كلّ تاريخه أيّ شيء لأحد في المفاوضات، وإذا أعطى في ظرف معيّن فإنه يستردّ ما أعطاه حين تسنح له الفرصة، لأننا في مواجهة عدو متغطرس لا تنفع إلا لغة القوة، فكيف وأنتم ذاهبون إلى المفاوضات تحت النار وبجدول أعمال وضعه نتنياهو بنفسه؟
لكن للمقاومين العمالقة في الجنوب كلاماً آخر، فهم يقفون ثابتين في مواجهة جحافل جيش الاحتلال التي يقدّر الخبراء عددها بأكثر من مئة ألف، مدجّجين بأحدث أنواع الأسلحة والآليات والتقنيات التكنولوجية، ومعهم مَن معهم من دول العالم، ولكن كلّ هذا لا ينفع أمام الإرادة الصلبة لدى ثلّة من الرجال الرجال الذين قرّروا أن لا يسمحوا لهذا العدو بأن يحقق أهدافه وأطماعه، تماماً كما حصل في كلّ مواجهة خاضتها المقاومة منذ 1993 و1996 و2000 و2006 و2024، رغم عظيم التضحيات التي قدّمتها في تلك المحطات التاريخية المفصلية لا سيما في 2024 حيث كانت الخسائر أضعافاً مضاعفة وفي المقدمة سماحة الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله ومعه كوكبة القادة الأوائل في السياسة والعسكر والإعلام ومجموعة غير قليلة من المجاهدين الأبطال الذين افتدوا البلد والناس بأرواحهم الطاهرة.
ولكن رغم ذلك اندحر جيش العدو خائباً من المواجهات البرية، مع أنّ التركيز الإعلامي يكون دائماً على التفوّق الجوي المعادي، وهذه حقيقة لا ننكرها ولا بدّ من إيجاد حلّ لهذه الثغرة، ولذلك ندعو أن يكون أول بند في مناقشة الاستراتيجية الدفاعية مستقبلاً هو كيفية تزويد الجيش اللبناني بشبكة مضادات جوية قادرة على صدّ الاعتداءات الإسرائيلية، وعندها يكون بلدنا بأمان طالما أننا في البرّ قادرون على منع العدو من تحقيق أهدافه.
وفي موضوع المفاوضات والحماسة الزائدة التي تبديها السلطة لخوض غمار هذه العملية، كأنّ لبنان يفعل ذلك للمرة الأولى مع أنّ رئيس الحكومة نواف سلام هو أكثر العارفين لأنه كان عضواً في الوفد اللبناني برئاسة السفير أنطوان فتال إلى المفاوضات مع العدو الإسرائيلي، والتي أدّت إلى اتفاق 17 أيار 1983 في عهد أمين الجميّل، ويعرف سلام ماذا حصل بعد ذلك وكيف سقط الاتفاق بانتفاضة شعبية عارمة عُرفت بـ "انتفاضة 6 شباط". كأنّ التاريخ يعيد نفسه وكأنّ هناك مَن لا يريد أن يتعلّم، حيث أنّ الأرض التي قالت كلمتها قبل أربعين عاماً وأسقطت الاتفاق الذي قيل عنه آنذاك إنه اتفاق الذلّ والعار، هذه الأرض لا تزال هي نفسها ولا يزال ناسها هم هم، المقاومون الأشاوس الذين أثبتوا أنهم يستطيعون قلب المعادلات وتغيير مجرى التاريخ لمصلحة لبنان دائماً.
ولا بدّ في هذا المجال من أخذ العِبرة من وقفة الرئيس المقاوم العماد إميل لحود خلال حرب تموز ـ آب 2006، حين وقف منذ اليوم الأول سداً منيعاً في وجه كلّ مَن أراد النيل من المقاومة، ظناً منهم أنها قامت بـ "مغامرة غير محسوبة" كما قيل يومها، ولكن في اليوم العشرين من الحرب صار السؤال "لمن ستُهدي النصر يا سيد"، رحم الله الشهيد الأسمى الأمين العام السيد حسن نصر الله، الذي أهدى النصر للشعب اللبناني بأسره، كما في العام 2000، ولم يطلب لنفسه أو لحزبه أو لبيئته أيّ مكاسب إضافية في تركيبة السلطة، بل على العكس تماماً حيث كان يتنازل دائماً (مع شريكه وأخيه الأكبر الرئيس نبيه بري) عن الكثير من الحقوق المُكرّسة في الدستور والعرف من أجل المصلحة الوطنية العليا.
يومها أوقف الرئيس لحود بالتعاون مع الوزير محمد فنيش مسعى رئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة لتسويق ما سُمّيَ بـ "النقاط السبع" ومن ضمنها "نزع" سلاح المقاومة، وهي النقاط التي حمَلها السنيورة إلى مؤتمر روما، لكن الرئيس لحود كان بالمرصاد ومنع تمريرها في مجلس الوزراء، إلى أن صدر القرار الدولي 1701، وسلّم العدو الإسرائيلي بأنّ عليه الانسحاب بشكل كامل من الأراضي اللبنانية حتى الخط الأزرق، على أن تُستكمل عملية تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء المحتلّ من قرية الغجر.
هذا النموذج هو المطلوب اليوم، حيث انّ التكامل والتعاون بين الدولة والمقاومة يحقق الإنجازات الكبيرة ويفرض على العدو الالتزام بالاتفاقات لا تمزيقها والقفز فوقها كما حصل بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، الذي التزم به لبنان بينما استمر العدة بخرقه طوال 15 شهراً ولم تنفع الدبلوماسية ولا المفاوضات في فرض تطبيقه، إلى أن استعادت المقاومة زمام المبادرة، ووقفت في مواجهة العدو، الذي سيجد نفسه مجبراً في القريب العاجل على التنفيذ والالتزام بوقف الاعتداءات.
أما الذاهبون إلى المفاوضات مع "الإسرائيلي" في واشنطن فلن يأخذوا منه أيّ شيء، وينطبق عليهم قول ذلك الكوميدي لوالده "شو في بإيدك لتضرب"؟ وأنتم "شو في بإيدكم لتفاوضوا"؟ وتذكروا جيداً الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، وهو صاحب الخبرة الطويلة في العلاقة مع الولايات المتحدة، حين قال "إنّ المتغطّي بأميركا عريان"...


