*بقلم الإعلامي علي أحمد – مدير موقع صدى فور برس*📝
لم يكن ما أعلنه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن عدم الاكتفاء بالنقاط الخمس المحتلة في جنوب لبنان، والسعي نحو مزيد من التوغل تحت ذريعة “المنطقة العازلة”، مجرد تصريح عسكري عابر أو موقف ميداني ظرفي؛ بل كان اعترافًا فجًّا وصريحًا يعرّي جوهر المشروع الصهيوني، ويفضح العقيدة العدوانية التي قامت عليها دولة الاحتلال منذ لحظة اغتصابها الأولى.
فهذا الكيان الذي يحاول أن يلبس لكل عدوان ثوب “الأمن”، ويضع لكل احتلال قناع “الدفاع عن النفس”، عاد اليوم ليكشف بنفسه أن أطماعه لا تعرف حدودًا، وأن شهيته التوسعية لا تشبع مهما التهمت من أرض، ولا تهدأ مهما ارتكبت من مجازر، ولا تتوقف مهما مُنحت من فرص ومهَل دولية.
إن حديث نتنياهو عن “منطقة عازلة” ليس إلا إعادة تدوير فجّة لمعجم استعماري مفضوح، طالما استخدمه الاحتلال لتبرير جرائمه وتجميل احتلاله وتغليف عدوانه بألفاظ أمنية مضلّلة. فكلما أراد التمدد اخترع ذريعة، وكلما أراد التوغل ابتدع مصطلحًا، وكلما أراد مصادرة أرض رفع شعار “التهديد الأمني”. والحقيقة الثابتة أن إسرائيل لا تبحث عن أمن… بل عن هيمنة، ولا تسعى إلى استقرار… بل إلى إخضاع، ولا تقاتل دفاعًا عن وجودها… بل دفاعًا عن مشروعها التوسعي الذي لا ينتهي إلا عند آخر حدود يمكن أن تصل إليها دباباتها.
منذ تأسيس هذا الكيان الغاصب، لم يعرف الشرق الأوسط منه إلا وجهًا واحدًا: وجه العدوان.
لم يدخل حربًا إلا وكان المعتدي، ولم يبرم هدنة إلا ليستثمرها لحرب لاحقة، ولم يوقّع اتفاقًا إلا وخرقه حين سنحت له الفرصة. فكيف لكيانٍ وُلد من رحم المجازر، وتغذّى على الدماء، وتربّى على عقيدة القوة، أن يتحول فجأة إلى باحث عن سلام؟
إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان ليس مجرد مناورة عسكرية، بل محاولة مكشوفة لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية بالنار، وفرض وقائع ميدانية جديدة تؤسس لاحتلال مقنّع ومستدام، هدفه تحويل الجنوب اللبناني إلى حزام خاضع لابتزاز الاحتلال وهيمنته وتحكمه بالنار متى شاء.
نتنياهو لم يعلن فقط عن نية توسع… بل أعلن سقوط الرواية الإسرائيلية كاملة.
أعلن أن الاحتلال لا يكتفي، وأن الطمع الصهيوني ليس له سقف، وأن كل انسحاب سابق لم يكن اقتناعًا بالسلام بل إعادة تموضع بانتظار لحظة الانقضاض التالية.
والمفارقة الساخرة أن الكيان الذي يحتل الأرض ثم يتحدث عن الأمن، ويقصف المدن ثم يذرف دموعًا على الاستقرار، ويقتل المدنيين ثم يطالب العالم بحق الدفاع عن النفس، ما زال يظن أن بإمكانه خداع الشعوب بذات الأكاذيب التي اهترأت من كثرة تكرارها.
إن إسرائيل اليوم لا تفضح فقط نواياها تجاه لبنان، بل تؤكد للعالم أجمع أنها كيان لا يعيش إلا بالتوسع، ولا يتنفس إلا بالحروب، ولا يحفظ وجوده إلا بإشعال الحرائق من حوله.
إن هذا العدو لا يفهم إلا لغة القوة والمقاومة، وتاريخه حافل بالكذب والإجرام، وبالمقاومة تتحرر الأرض وتُردع الأطماع، وبها يُوقف هذا العدو عند حدّه.
لذلك، فإن معركة لبنان مع هذا العدو لم تكن يومًا نزاع حدود… بل صراع وجود مع مشروع استيطاني إحلالي لا يعترف بحق، ولا يحترم سيادة، ولا يفهم إلا لغة الردع.


