*قراءة في حلقة للكاتب والباحث ميخائيل عوض بعنوان "نتنياهو يفاوض عبيده في واشنطن!"*
“شرّ البليّة ما يُضحك” ليست عبارة توصيفية عابرة يفتتح بها عوض الحلقة، بل مدخلٌ تحليلي يكشف طبيعة اللحظة الكاشفة التي يعيشها لبنان على وقع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. فعندما تبلغ التناقضات ذروتها، يصبح الضحك ردّ فعل على فائض العبث والخيانة، وعلى انكشاف الفجوة بين ما يُقال وما يجري فعلاً، وعلى جهل من مد يده ليصافح العدو ويكون شريكا له في سفك دماء الشعب اللبناني في الوقت الذي تسطر فيه المقاومة إعجاز قتالي في لبنان الحقيقي لا لبنان الافتراضي في مخيلة الخيانة والتزييف لحكومة أبو عمر الأمير السجين. في هذا السياق، تتحوّل مشاهد المفاوضات، والتصريحات العالية السقف، والتحركات السياسية المتسارعة، إلى مسرح يعكس ارتباكاً عميقاً في مراكز القرار أكثر مما يعكس قدرة على الحسم.
من هنا، فإن قراءة ما يجري لا يمكن أن تنطلق من ظاهر الأحداث، بل من بنيتها الخفية
فأي مفاوضات يجب أن تُدار تحت ضغط الميدان لا فوقه، أما العبث الجاري فما هو إلا قرارات كبرى تُصاغ في ظل تراجع القدرة على فرضها، ومواقف تتبدل ليس بفعل القوة، بل بفعل الخوف من الانهيار واستشراف الخونة والمتآمرين لنهاية زمنهم وحتمية حسابهم.
في هذه اللحظة الكاشفة كل ما يبدو طبيعياً في الظاهر يخفي في جوهره اختلالاً بنيوياً في ميزان القوة. فحين تصل القوى الكبرى إلى لحظة تُكثر فيها من التهديد والتفاوض في آن واحد، فذلك ليس دليلاً على سيطرتها، بل على دخولها مرحلة إدارة الأزمة بدل حسمها. وهنا تحديداً تبدأ اللحظة الاستراتيجية التي تُعاد فيها كتابة القواعد، لا على الطاولات، بل في ميادين القتال فوحده من يشتبك يمتلك شرعية التفاوض أما المساوم فليس له إلا أن يفرض عليه سيده أجندة اذلاله واحتلال أرضه وقتل شعبه وليس له إلا أن يقر إقرار العبيد.
*أولاً: اتفاق 17 أيار: من ذروة الهيمنة إلى حتمية السقوط… التاريخ الذي يُنذر بمصير مفاوضات اليوم*
في استعراضه التاريخي المكثّف، يعود ميخائيل عوض إلى لحظة مفصلية تمثّلت في اتفاق 17 أيار، لا بوصفها حدثاً من الماضي، بل كنموذج محاكاة لما يجري اليوم. في تلك المرحلة، كان ميزان القوى يميل بشكل حاد لصالح إسرائيل بعد اجتياح 1982، حيث وصلت قوات إسرائيل إلى بيروت، وفُرض واقع سياسي تحت جنازير الدبابات، ما أتاح إنتاج سلطة لبنانية مرتبطة مباشرة بشروط الاحتلال. في المقابل، كانت البيئة الإقليمية في أسوأ حالاتها: إيران في بدايات ثورتها غارقة في حرب استنزاف كبرى مع نظام صدام حسين، وسوريا خارجة من بيروت منهكة عسكرياً بعد خسائر جسيمة في قواتها الجوية والبرية ومع 16 ألف شهيد من الجيش العربي السوري، ومثقلة بأزمة داخلية كادت تنفجر إلى صراع دموي وحرب اهلية بين الوحدات الخاصة وسرايا الدفاع. عربياً، كان التفكك سيد الموقف، مع غياب أي حاضنة حقيقية للمقاومة، وتفوق واضح للمحور الأمريكي–الإسرائيلي الذي كان في ذروة صعوده ضمن نظام دولي أحادي القطبية، ومع مزاج شعبي عام محبط ويائس.
ضمن هذه المعطيات، جرى تمرير الاتفاق 17 أيار عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، بدعم من قيادة سياسية على رأسها أمين الجميل، وغطاء من شخصيات وقوى اعتبرت أن التسوية مع الاحتلال خيار واقعي باستثناء اثنين ممن رفضا هذا القرار نجاح واكيم و زاهر الخطيب. لكن ما يلفت في سرد عوض ليس فقط توقيع الاتفاق، بل مصير من تبنّوه إذ انتهت التجربة بسقوط مدوٍ لكل من راهن على هذا المسار. يُستحضر اسم صائب سلام بوصفه نموذجاً لزعامة تراجعت وانكفأت، وكامل الأسعد الذي تلاشى حضوره السياسي، فيما انتهى بشير الجميل بالاغتيال قبل تثبيت مشروعه، وتعرّض سمير جعجع للسجن لسنوات طويلة، في حين ذهب الجنرال عون إلى المنفى بعد انهيار مشروعه السياسي في تلك المرحلة. هذه النهايات، كما يعرضها التحليل، لم تكن أحداثاً منفصلة، بل تعبيراً عن سقوط خيار كامل قائم على الالتحاق بالمشروع الإسرائيلي–الأمريكي على يد المقاومة في بداياتها.
الأهم في هذا الاستحضار التاريخي هو المقارنة مع الحاضر: فإذا كان ذلك المسار قد انهار في زمن كانت فيه إسرائيل في ذروة قوتها، وأمريكا في قمة هيمنتها، والمقاومة في بداياتها، فكيف سيكون مصير أي محاولة مشابهة اليوم في ظل ظروف معاكسة تماماً؟ اليوم، وفق قراءة عوض، تغيّرت المعادلات جذرياً: محور المقاومة أكثر تماسكاً وخبرة، إيران قوة إقليمية على تخوم العالمية. فيما تعاني إسرائيل من استنزاف متعدد الجبهات. لذلك، لا يذهب التحليل إلى القول بأن مصير مفاوضات اليوم سيكون شبيهاً بمصير 17 أيار فحسب، بل يعتبره مرشحاً لأن يكون أكثر قسوة وانهياراً، لأن القوى التي تنخرط فيه تفعل ذلك في لحظة تراجع استراتيجي لحلفائها الدوليين، لا في لحظة صعودهم كما كان الحال في الثمانينيات.
بهذا المعنى، يتحول التاريخ في خطاب عوض إلى أداة إنذار ليس فقط بأن مشاريع “التفاوض تحت الضغط” تسقط، بل بأن كلفتها على من يتبناها تكون وجودية، سياسياً وشخصياً، وأن ما جرى في الثمانينيات ليس استثناءً، بل قاعدة تتكرر كلما اختلّ التقدير بين موازين القوة الفعلية وخيارات التسوية المفروضة.
*ثانيًا: أطروحة “التمثيل المنعدم” – تفكيك الشرعية وبناء صورة السلطة الوظيفية*
تطرح الحلقة سؤالاً مركزياً حول طبيعة التمثيل السياسي في المرحلة الراهنة:
- من يمثل القرار السياسي الحالي في لبنان؟
- ما حجم القاعدة الاجتماعية والسياسية التي يستند إليها؟
- وما طبيعة التفويض الذي تتحرك وفقه السلطة التنفيذية؟
ضمن هذا الإطار، في قراءة ميخائيل عوض، تبرز مقولة محورية تتجاوز السؤال السياسي المباشر إلى مستوى التشخيص البنيوي: “من تمثل هذه الحكومة؟”. هذا السؤال لا يُطرح بوصفه استفساراً، بل كأداة تفكيك لأسس الشرعية التي تقوم عليها السلطة، حيث يعمد عوض إلى بناء أطروحة متكاملة تقوم على نزع هذه الشرعية عبر ثلاث دوائر مترابطة تُعيد تعريف موقع الحكومة في المعادلة اللبنانية.
في الدائرة الأولى، أي الشرعية الاجتماعية، يُقدَّم الكيان الحكومي كجسم معزول عن البنية الفعلية للمجتمع، لا يستند إلى الكتل الطائفية الكبرى التي تشكّل العمود الفقري للنظام اللبناني، ولا يعكس توازناتها أو حساسياتها. وبهذا المعنى، فإن غياب الحاضنة الشعبية لا يُفهم كخلل عابر، بل كدليل على انفصال بنيوي بين السلطة وقواعدها المفترضة، ما يجعل قدرتها على الاستمرار أو فرض القرارات موضع شك دائم. بل ويضع عوض هذا العامل سبب محوري لإقدام هذه الحكومة على فعل الخيانة بشكل علني لأنها لا تمثل كتلة شعبية تخشى من موقفها الرافض لأي مفاوضات مع العدو.
أما في الدائرة الثانية، أي الشرعية السياسية، عملية تشكيل الحكومة جاء نتاج قرار خارجي وهاتف من أمير مزيف. فبدلاً من أن تكون حصيلة تسويات بين القوى اللبنانية، تبدو كتركيب فوقي أُنتج تحت ضغط إقليمي–دولي، ما يفقدها صفة “العقد السياسي” ويحوّلها إلى ذراع تنفيذ عملياتي للعدو. ويرى عوض أن السياسات التي تعتمدها هذه الحكومه لا تنطلق من المهام الدستورية، بل عن الجهة التي تحدد مسارها وحدود حركتها.
وفي الدائرة الثالثة، أي الشرعية التاريخية، يستدعي عوض ذاكرة التجربة اللبنانية ليضع هذه الحكومة في سياق نماذج سابقة لقوى وشخصيات ارتبطت بمشاريع خارجية أو بخيارات تفاوضية تحت الضغط، وانتهت إلى السقوط.
من خلال هذا البناء الثلاثي، فإن حكومة الأمير المزيف ليست فاعل سياسي يمتلك قراراً وسيادة، بل بنية وظيفية مؤقتة، مهمتها تمرير مرحلة أو تنفيذ أجندة محددة، قبل أن تُستبدل أو تسقط عند تغيّر الظروف. وبذلك، لا تُقاس قوتها بقدرتها على الحكم، بل بمدى انسجامها مع الدور المرسوم لها، ولا يُقاس مستقبلها ببرامجها، بل بمدى استمرار الحاجة إليها ضمن التوازنات التي أوجدتها.
*ثالثًا: عندما يفاوض السيد عبيده: الميدان يكتب الشروط لا الطاولات*
ينطلق عوض من عبارة تشخيصية أن هذه الحكومة أطلقت النار على رأسها وسقطت بالضربة الخيانية القاضية، المفاوضات الجارية في واشنطن ليست سوى مشهد مقلوب للسيادة والقرار، حيث الحكومة أدوات تنفيذ ضمن استراتيجية يحددها نتنياهو لإسرائيله الكبرى، في حين يُعاد إنتاج التفاوض بوصفه غطاءً سياسياً لنتائج تُصاغ في الميدان. ومن هنا تأتي العبارة الصادمة: “نتنياهو يفاوض عبيده”، ليس بوصفها توصيفاً لغوياً، بل تعبيراً عن اختلال عميق في ميزان الإرادة، حيث يُختزل القرار السياسي إلى وظيفة تبرير أو تمرير لما تفرضه القوة العسكرية.
ضمن هذا الفهم، يُنظر إلى طاولات التفاوض كامتداد متأخر لما يُحسم بالنار. فالمعادلة التي يطرحها عوض واضحة: السلاح هو الذي يفرض السقف، والميدان هو الذي يحدد الإيقاع، وكل ما عدا ذلك يسقط في فلك هذه الحقيقة. ولذلك، فإن أي طرف يدخل التفاوض دون امتلاك عناصر قوة فعلية، يتحول تلقائياً إلى موقع التلقي، لا الشراكة، ويجد نفسه معنياً بتكييف مواقفه مع شروط صيغت مسبقاً خارج قاعة التفاوض.
في هذا السياق، يستحضر عوض المقولة التأسيسية لـلشيخ راغب حرب:
“المصافحة اعتراف، والموقف سلاح”، بوصفها قاعدة استراتيجية تتجاوز لحظتها التاريخية. فالمصافحة إقرار بشرعية الخصم وشراكة في جرائمه ومنحه ما لم ينتزعه بالقوة، في حين أن “الموقف” – حين يكون صلباً ومستنداً إلى قوة – يتحول بحد ذاته إلى أداة ردع لا تقل تأثيراً عن السلاح. بهذا المعنى، يصبح التفاوض بلا أوراق قوة نوعاً من التفريط، لا من البراغماتية.
وعليه، فإن جوهر الصراع – كما يُقدَّم في هذه القراءة – لا يُحسم في واشنطن ولا في أي عاصمة أخرى، بل في نقاط الاشتباك، حيث تتحدد فعلياً حدود الممكن والممنوع. وكل محاولة لعكس هذه المعادلة، أي جعل السياسة تسبق القوة بدل أن تعكسها، لن تؤدي إلا إلى إنتاج اتفاقات هشة، سرعان ما تتآكل أمام أول اختبار ميداني. لذلك، فإن الرسالة المركزية هي أن من لا يملك قوة الفعل في الميدان، لا يملك حق رسم مخرجات التفاوض، وأن أي مسار سياسي منفصل عن هذه القاعدة لن يكون سوى إعادة تدوير للهزيمة في صيغة دبلوماسية.
*رابعًا: الفخّ استراتيجي في التفاوض: من شرعنة التدويل إلى إعادة تشكيل لبنان بالقوة الخارجية*
في تحذير بالغ الخطورة، يقدّم ميخائيل عوض قراءة تعتبر أن المفاوضات الجارية ليست إلا مرحلة تمهيدية ضمن سيناريو مُحكم لاستدراج لبنان إلى قبول تدخل دولي مباشر تحت عناوين “دعم الدولة” و”تعزيز الاستقرار”. وفق هذا التصور، تبدأ العملية بتكريس واقع سياسي داخلي هشّ عبر حكومة محدودة التمثيل، تُدفع إلى طاولة التفاوض في ظل ضغط عسكري ونفسي، ثم يجري تصوير عجزها عن فرض سيادتها أو ضبط الميدان كذريعة “موضوعية” لطلب تدخل خارجي. وهنا تتحول المفاوضات من أداة سياسية إلى آلية تصنيع شرعية لتدويل الأزمة اللبنانية، بحيث يصبح إدخال قوات دولية – سواء تحت مظلة أممية أو بصيغ هجينة – خطوة “ضرورية” وليست مفروضة.
في هذا السياق، يكتسب ما نُسب إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي كلتس دلالة مفصلية، حيث أشار إلى أن هدف المسار السياسي هو دفع الدولة اللبنانية والجيش، وبمشاركة قوى خارجية، إلى لعب دور مباشر في تفكيك بنية المقاومة ونزع سلاحها. هذا التصريح، كما يُفهم ضمن التحليل، لا يُقرأ كوجهة نظر عسكرية عابرة، بل كـإعلان نوايا استراتيجية يكشف المرحلة التالية بعد المفاوضات التي يراها عوض تتمثل بنقل المواجهة من صراع مع إسرائيل إلى صراع داخلي مُقنّع بإطار دولي.
انطلاقاً من ذلك، يوجّه عوض تحذيراً صريحاً إلى الأحزاب والطوائف الوازنة في لبنان – من مختلف الانتماءات – بأن هذا المسار لا يستهدف طرفاً بعينه، بل يطال البنية الوطنية ككل. فقبول أي صيغة تدخل دولي تحت عنوان “تنظيم السلاح” أو “دعم الجيش” يفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام اللبناني بقوة الخارج، ويحوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات تنفيذ لإرادة دولية. الأخطر من ذلك أن هذا السيناريو، إذا تحقق، سيؤدي إلى تفجير تناقضات داخلية حادة، إذ يُدفع الجيش والمكونات الوطنية إلى مواجهة جزء من شعبها، بما يعيد إنتاج نماذج صراعات داخلية شهدتها دول أخرى في المنطقة.
بناءً عليه، فإن جوهر التحذير يتمثل في أن المعركة الحقيقية ليست في قاعة التفاوض بل في ما يُراد فرضه بعدها: إما تثبيت معادلة ردع داخلية–إقليمية قائمة، أو الانزلاق إلى مسار تدويل يُفضي تدريجياً إلى نزع عناصر القوة الوطنية وإعادة هندسة لبنان وفق توازنات خارجية. وفي هذا المفصل، تصبح مسؤولية القوى السياسية والاجتماعية مضاعفة، لأن أي خطأ في تقدير هذا المسار لن يكون مجرد خطأ سياسي، بل قد يتحول إلى نقطة تحول تاريخية في مصير الكيان اللبناني.
*خامسًا: تقاطع المصالح الصامت: اتفاق سعودي إيراني لإيقاط حكومة أبو عمر*
في قراءة ميخائيل عوض، لا يمكن فهم الحراك السياسي الأخير في لبنان بمعزل عن التحول العميق في العلاقة بين السعودية وإيران، حيث لم يعد التقارب بينهما مجرد تهدئة ظرفية، بل أخذ طابعاً عملياً يتجه نحو إعادة تنظيم التوازنات داخل ساحات النفوذ المشتركة، وعلى رأسها لبنان. ضمن هذا السياق، يُطرح تساؤل عن “مبادرة سعودية إيرانية” هدفها احتواء الانفجار السياسي ومنع الانزلاق إلى سيناريوهات الفوضى أو التدويل، عبر إعادة إنتاج سلطة لبنانية أكثر انسجاماً مع موازين القوى الواقعية وإسقاط حكومة العهد الحالي.
ويرى عوض أن زيارة تكتسب علي حسن خليل إلى السعودية دلالة تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تُقرأ كجزء من قنوات تنسيق خلفية تسعى إلى بلورة تفاهمات حول مستقبل الحكومة اللبنانية. وفق هذا المنظور، لا تأتي الزيارة في إطار علاقة ثنائية تقليدية، بل ضمن مسار تفاوضي إقليمي غير مباشر، حيث تعمل القوى الفاعلة على اختبار إمكانات إسقاط الحكومة الحالية واستبدالها بصيغة أكثر قدرة على إدارة المرحلة، وأقل اندفاعاً نحو خيارات تصادمية قد تفتح الباب أمام تدخلات خارجية.
اللافت في هذا الطرح هو أن السعودية، التي كانت تاريخياً في موقع التباين الحاد مع إيران في الملف اللبناني، تبدو – وفق هذه القراءة – أقرب إلى تبنّي مقاربة براغماتية تقوم على منع انهيار التوازن الداخلي بدل محاولة كسره. ويُفسَّر ذلك بجملة عوامل، أبرزها إدراك متزايد بأن أي فراغ سياسي أو صدام داخلي في لبنان قد ينعكس مباشرة على استقرار الإقليم، ويفتح المجال أمام سيناريوهات يصعب التحكم بها، خصوصاً في ظل اشتباك دولي أوسع.
من هنا، يصبح الحديث عن إسقاط الحكومة ليس تعبيراً عن صراع داخلي فحسب، بل نتيجة تقاطع مصالح إقليمي يسعى إلى إعادة ضبط المشهد اللبناني قبل أن يُفرض عليه مسار دولي أكثر خطورة. فالقوى الإقليمية، بحسب هذا التحليل، تفضّل إنتاج تسوية داخلية مُدارة على أن تجد نفسها أمام تدخل خارجي يُعيد تشكيل لبنان وفق معايير لا تخدم أياً منها.
بهذا المعنى، تشكّل زيارة علي حسن خليل مؤشراً على دخول لبنان مرحلة جديدة من إدارة أزمته، حيث لم تعد القرارات تُصنع حصراً في الداخل، ولا تُفرض بالكامل من الخارج، بل تتكوّن في منطقة رمادية من التفاهمات الإقليمية المتقاطعة التي تسعى إلى منع الأسوأ، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار مؤقت أو تسويات هشة.
*سادسًا : المقاومة قوة تأسيسية في معادلة الردع*
تؤكد الحلقة أن التحولات التي شهدها لبنان والمنطقة لم تكن نتاج تسويات دبلوماسية، بل نتيجة تراكم قوة مقاومة نشأت من:
- تجربة المواجهة المباشرة مع الاحتلال
- بناء نموذج حرب غير تقليدية قائم على الاستنزاف
- تحويل البيئة الشعبية إلى عنصر من عناصر القوة
من هذا المنظور، تصبح المقاومة
فاعلاً بنيوياً في معادلة الردع الإقليمي وليس مجرد طرف عسكري في نزاع محلي
بل جزءاً من منظومة أوسع تمتد إلى فلسطين والعراق وسوريا.
*سابعًا: سقوط خدعة حصار هرمز ... حركة الناقلات الصينية تكشف حدود القوة الأمريكية*
في مقاربة عوض، شكّل مشهد عبور السفن الصينية عبر مضيق هرمز لحظة كاشفة أسقطت عملياً رواية “الحصار” التي لوّح بها ترمب. فالمضيق، بوصفه شريان الطاقة العالمي، لا يمكن إخضاعه لإرادة أحادية من دون كلفة صدام مع قوى دولية كبرى، وعلى رأسها الصين، المرتبطة به عضوياً عبر أمنها الطاقوي. لذلك، فإن استمرار تدفق الناقلات يُقرأ هنا ليس مجرد حدث ملاحي، بل تفنيد عملي لقدرة واشنطن على فرض حصار فعلي في بيئة دولية متعددة الأقطاب.
ضمن هذا الإطار، يُعاد تفسير التهديد بإغلاق أو خنق المضيق كقرار صادر عن حالة ارتباك استراتيجي لدى إدارة دونالد ترامب، أكثر منه تعبيراً عن قدرة تنفيذية حقيقية. فالتلويح بسلاح الحصار، وفق هذا التصور، كان محاولة لرفع السقف التفاوضي وتعويض عجز ميداني متراكم، لكنه اصطدم سريعاً بوقائع الجغرافيا السياسية: تداخل المصالح الدولية، جاهزية قوى آسيوية لكسر أي إغلاق، واستحالة إدارة مواجهة بحرية مفتوحة من دون انزلاق إلى صراع أوسع لا تريده واشنطن. وعليه، فإن سقوط “خدعة الحصار” يكشف أن أدوات الضغط الأمريكية فقدت فعاليتها، وأن ميزان الردع لم يعد يسمح بقرارات أحادية حاسمة.
يتجاوز هذا الاستنتاج البعد البحري ليصل إلى قلب الملف اللبناني. فبحسب القراءة نفسها، فإن العجز عن فرض حصار في هرمز يوازيه عجز عن فرض إملاءات سياسية نهائية في لبنان. من هنا، يُطرح أن مسار وقف إطلاق النار لن يُحسم عبر القنوات المحلية والمفاوضات أو الضغوط الميدانية المباشرة، بل سيتحدد أساساً على طاولة التفاوض بين إيران والولايات المتحدة. أي أن الجبهة اللبنانية، رغم اشتعالها، تبقى جزءاً من معادلة أوسع، تُدار مفاتيحها في مستوى دولي–إقليمي أعلى، حيث تتقاطع ملفات الطاقة والأمن والممرات البحرية مع حسابات الحرب والتهدئة.
بهذا المعنى، لا يُقرأ عبور السفن في هرمز كحدث منفصل، بل كإشارة استراتيجية إلى أن مرحلة فرض الوقائع بالقوة الأحادية قد انتهت، وأن ما سيليها هو إعادة توزيع للأدوار والنفوذ عبر التفاوض بين القوى الكبرى، وهو ما سينعكس مباشرة على توقيت وشروط أي تهدئة في لبنان.
*خاتمة*
في ضوء ما تقدّم، تتكشّف ملامح مرحلة انتقالية كبرى، لا تقتصر على لبنان أو الإقليم، بل تمتد إلى بنية النظام الدولي ذاته. لم تعد الصراعات تُحسم بقرار أحادي، ولا تُفرض التسويات من موقع التفوق المطلق، بل دخل العالم طوراً جديداً عنوانه: تداخل الميادين، وتكافؤ في القدرة على التعطيل، وتراجع فعالية أدوات الإخضاع التقليدية.
ضمن هذا التحول، تفقد المفاوضات معناها الكلاسيكي كأداة لإنهاء النزاعات، لتتحول إلى ساحة من ساحات الصراع، تُستخدم لإدارة الوقت، وإعادة التموضع، وشراء الفرص. أما الحسم الفعلي، فيبقى رهناً بما تنتجه الوقائع على الأرض، حيث تُختبر الإرادات وتُرسم حدود الممكن.
وفي قلب هذه المعادلة، يقف لبنان – كما المنطقة – أمام مفترق حاسم:
إما الانخراط في مسار يُعاد فيه تشكيل التوازنات من الداخل، وفق ما تفرضه القوة الفعلية،
أو الانزلاق إلى مسارات تُدار من الخارج، تحت عناوين التسوية والدعم والاستقرار، لكنها تخفي في جوهرها إعادة إنتاج التبعية بصيغ جديدة.
وعليه، فإن الخلاصة الاستراتيجية ليست في ما يُقال على طاولات التفاوض، بل في ما يُبنى في الميدان، وليس في من يرفع سقف الخطاب، بل في من يملك القدرة على ترجمته إلى وقائع. لأن التاريخ، في لحظاته الكبرى، لا يُكتب بالنيات، بل بموازين القوة حين تنضج، وبالقرارات التي تُتخذ عند حافة التحول.


