منجد شريف
تعود فكرة هذا الموضوع إلى لقاء جمعني بالراحل الدكتور في الأدب العربي عبد المسيح الطرزي مع غبطة المطران السرياني الأرثوذكسي جورج صليبا، على مأدبة غداء أقامها رجل الأعمال اللبناني المغترب عبود أصفر. وقد دار خلال اللقاء نقاش ديني تطرّق إلى شخصية القديسة مريم مريم العذراء، حيث أشار الدكتور الطرزي إلى أن الإسلام قد أسهب في سيرة القديسة، بينما لم تُفرد لها الأناجيل جميعها سيرة مستقلة. هذا الطرح بقي في ذهني، وفتح أمامي مساحة من التساؤل والمراجعة.
لاحقًا، وفي مناسبة اجتماعية أخرى خلال عشاء مع ابني في أحد المطاعم، التقيت بصديق طبيب، ودار بيننا نقاش حول لبنان وأهمية تنوّعه الديني والثقافي. وخلال الحديث، عاد موضوع مريم العذراء إلى الواجهة، ولا سيما موقعها في الإسلام، فيما كنت أجد التباسًا في ذهني حول طبيعة حضورها في الإنجيل. ومع العودة إلى النصوص ومراجعتها، تبيّن أن السيرة المفصّلة والمستقلة لمريم لا ترد في الأناجيل كسيرة قائمة بذاتها، بل تظهر ضمن سياق حياة السيد المسيح، في حين يقدّم القرآن الكريم عرضًا أوسع لتجربتها وشخصيتها. ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث، في محاولة لفهم الفارق بين النصّين، لا من زاوية الجدال، بل من زاوية الفهم المعرفي والإنساني.
تُعدّ مريم العذراء من أبرز الشخصيات المشتركة بين المسيحية والإسلام، وقد حظيت بمكانة روحية رفيعة في كلا التقليدين الدينيين، غير أن طريقة تقديمها تختلف في البناء والسرد. ففي الأناجيل، يظهر حضورها في إطار علاقتها المباشرة بيسوع المسيح، دون تقديم سيرة حياتية مستقلة لها. تبدأ الإشارات إليها مع حادثة البشارة في إنجيل لوقا، حين يعلن الملاك لها أنها ستلد يسوع، ثم تُذكر في سياق ولادته في بيت لحم، وتظهر لاحقًا في محطات من حياته، مثل وجودها في طفولته، وحضورها في عرس قانا الجليل حيث تبدأ المعجزات، ووقوفها عند الصليب في إنجيل يوحنا، إضافة إلى ذكرها ضمن الجماعة الأولى بعد القيامة في سفر أعمال الرسل. وتبدو في هذا السياق شخصية مؤمنة وهادئة ومطيعة، لكن دون تفصيل لسيرتها الشخصية أو خلفيتها الحياتية، إذ يبقى التركيز الأساسي على يسوع ودوره الرسالي.
في المقابل، يمنحها القرآن الكريم حضورًا أكثر اتساعًا واستقلالية، إذ لا تُقدَّم فقط بوصفها أمًّا لعيسى، بل كشخصية ذات مسار إيماني وتجربة إنسانية متكاملة. وقد خصّها القرآن بسورة كاملة تحمل اسمها وهي سورة مريم، كما ورد ذكرها في العديد من السور الأخرى ضمن سياقات مختلفة، أبرزها سورة آل عمران وسورة الأنبياء، ما يعكس تعدّد مواضع حضورها في النص القرآني. يذكر القرآن نشأتها في كفالة النبي زكريا داخل بيت العبادة، ويشير إلى اصطفائها وطهارتها واختيارها على نساء العالمين، كما يروي عبادتها في المحراب وما كان يصلها من رزق إلهي غير معتاد. ثم تأتي لحظة البشارة بالمسيح عبر الملاك جبريل، تليها تجربة العزلة والولادة في ظروف شديدة الصعوبة، حيث تواجه وحدها الألم والابتلاء. وبعد الولادة، يبرز موقف دفاع عيسى عنها وهو في المهد، عندما يتكلم بمعجزة ليبرّئها أمام قومها. وبهذا تتشكل صورتها في القرآن كشخصية مختارة خاضت تجربة إيمانية كاملة، جمعت بين العبادة والابتلاء والصبر والتكريم الإلهي، بما يمنحها حضورًا مستقلًا يتجاوز دورها كأم.
وعند المقارنة بين النصّين، يتّضح أن الإنجيل يضع مريم ضمن إطار سرد حياة المسيح، فتظلّ شخصيتها مرتبطة بالحدث المركزي دون تقديم سيرة مستقلة، بينما يمنحها القرآن مساحة أوسع تُبرز تجربتها الذاتية ومسارها الإيماني. ومع ذلك، يلتقي النصّان في نقاط جوهرية، أبرزها الإيمان بالولادة المعجزة، ورفعة المكانة الروحية، والاصطفاء الإلهي، والطهارة. ويبقى الاختلاف الأساسي في زاوية السرد: إذ يركّز الإنجيل على دورها ضمن قصة يسوع، بينما يقدّمها القرآن كشخصية قائمة بذاتها ذات تجربة إنسانية وروحية متكاملة.
وفي المحصّلة، تبقى مريم العذراء مريم العذراء رمزًا روحيًا جامعًا في الديانتين، يجمع بين القداسة والابتلاء والطهارة، ويعكس في الوقت نفسه اختلاف الأسلوب السردي بين النصّين، دون أن ينتقص ذلك من مكانتها الرفيعة كإحدى أكثر الشخصيات احترامًا وتقديرًا في التاريخ الديني.


