سيبقى للحقيقة صوت وكلمة

عاجل

الفئة

shadow
منجد شريف

هل ما زال للصحافة حبرٌ يُكتب به عن الفظاعات، أم باتت المآقي وحدها من تكتب بالدموع عن الشهداء؟

لم يعد استهداف الصحافيين حدثًا عابرًا، بل تحوّل إلى سلوك متكرر في ساحات النزاع، حيث كلما تقلّصت رقعة الأهداف عند العدو ، عادت لتطال الكلمة، والصورة، والصوت. وكأن الصحافة تحوّلت إلى “صندوق بريد” تُرسل من خلاله رسائل الترهيب والدموية إلى العالم.

من فلسطين المحتلة إلى لبنان ، وصولًا إلى أكثر من ساحة عربية، و حتى في إيران،أصبح اغتيال الصحافة نهجًا قائمًا بحد ذاته، لا استثناء فيه. يُقتل الصحافي لأنه ينقل الحقيقة، ويُستهدف لأنه شاهد، لا لأنه طرف.

أي عقلية تلك التي تمارس القتل والتهجير، ثم تتحدث في الوقت نفسه عن السلام؟

وأي سلام يمكن أن يُبنى فوق هذا الكمّ من الدماء، والوجع، والذاكرة المفتوحة على الفقد؟
من كان يبكي المحارق على مر التاريخ ،صار سبباً للآلاف منها دون أن يرف له جفن عليها.
من فلسطين المحتلة الى لبنان الى كل الوطن العربي و حتى إيران و أينما وصلت اليه يده،أصبح إغتيال الصحافة أمراً عادياً،و هو الذي سخرها لتعميم محارق هتلر،ها هو يغتالها للتعمية عن محارقه اليومية.
الصحافة، التي يفترض أن تبقى محايدة ومحمية في زمن الحروب، أصبحت هدفًا مباشرًا. وكأن العدسة مدفع، والميكروفون خطر، والكلمة جريمة. في وقتٍ أكدت فيه القوانين الدولية عكس ذلك تمامًا.

فـ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كرس حرية التعبير ونقل المعلومات كحق أساسي، فيما ألزم العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الدول بحماية هذا الحق وعدم التعرض له.
أما في النزاعات المسلحة، فقد اعتبرت اتفاقيات جنيف الصحافيين مدنيين تجب حمايتهم، وهو ما أكده أيضًا البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، الذي شدد على عدم استهدافهم تحت أي ظرف، في حين اعتبر مجلس الأمن الدولي أن استهداف الإعلاميين قد يرقى إلى جريمة حرب.

ورغم كل هذه النصوص الواضحة، يستمر النزيف.

بالأمس سقطت أمال خليل و قبلها علي شعيب و فاطمة فتوني و شقيقها المصور محمد فتوني، و قبلها سقط إعلاميون، كثر و ربما غداً تسقط أسماء جديدة، ومع كل اسم يكبر الجرح، وتكبر معه مسؤولية الكلمة. فالقضية لم تعد فقط في عدد الضحايا، بل في محاولة إسكات الحقيقة نفسها.

ومع ذلك، لم تنجح كل محاولات القمع في إخماد الصوت. فالكلمة التي تُكتب بصدق، لا تموت بسقوط صاحبها، بل تتحوّل إلى ذاكرة حيّة، وإلى شهادة لا يمكن طمسها.

إن سيرة الصحافيين الذين رحلوا، لا تنتهي عند لحظة الغياب، بل تبدأ منها. تعيش في وجدان الناس، وفي ضمير كل من يكتب، وفي كل محاولة لكشف ما يُراد له أن يُخفى.

قد تسقط الأجساد، لكن المعنى يبقى.
وقد يُستهدف الصوت، لكن صداه لا ينطفئ.

سيبقى للحقيقة صوت وكلمة مهما بلغت التضحيات.

الناشر

Hamza Aafara
Hamza Aafara

shadow

أخبار ذات صلة