*بقلم الدكتور مالك أبو حمدان*
في خضمّ الأزمات اللبنانية الراهنة والاضطرابات الإقليمية الحالية، تبرز ظاهرة لبنانية خاصة لا بدّ من التوقف عندها واقعاً، لا فقط من زاوية التحليل السياسي ولا من زاوية الادّعاء – أو النص - السياسي البحت، وإنما خصوصاً من باب التحليل المفاهيمي-الاجتماعي، أي خصوصاً من خلال مفاهيم العلوم الاجتماعية، بما فيها علم السياسة نفسه طبعاً.
فكما نعلم: خلال التاريخ المعاصر للبنان وخصوصاً عشية الحرب الأهلية التي انطلقت «رسمياً» عام 1975، دار نقاش معروف حول «الهوية اللبنانية» وإشكالياتها. مع التبسيط: هل هي أقرب إلى الطابع الفينيقي-الكنعاني، أم إلى الطابع «العربي» أو العروبي؟ مع التبسيط الشديد إذاً، كنّا في المبدأ يساجل بعضُنا بعضاً حول سؤال: هل نحن «فينقيون» أم «عرب»؟ أو: هل نحن «عربٌ» أصلاً، بطريقة أو بأخرى؟ هل نقبل «العروبة» من أساسها (الخ...)؟
بل قد يذهب بعضنا إلى الادّعاء: إن الحرب الأهلية نفسها قد تكون قد انطلقت، جزئياً أو بشكل كبير نسبياً، من هذا الخلاف حول الهوية، مع فصل حادّ، مع التبسيط، بين «الفينيقيين» من جهة و«العرب» من جهة ثانية. ولطالما قيل لنا إن هذا لهو إشكال مركزي في نظرتنا إلى بلدنا وإلى هويتنا الجماعية المدعاة، وإن هناك أوساطاً في لبنان تعتبر نفسها، إن لم تكن «فينيقية» خالصة إن جاز التعبير، فهي على الأقل «غير عربية» بالتأكيد، وترفض بالتالي الانتماء إلى الهوية العربية والعروبية، وما إلى ذلك.
ولكننا اليوم، ومع تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وحلفائها، ومنهم «إسرائيل»، من جهة، وبين الجمهورية الإسلامية في إيران من جهة أخرى، نلاحظ تحوّلاً لافتاً في الخطاب لا يمكن حصره في إطار الملاحظة الكاريكاتورية للموضوع إن شئت أو في إطار ملاحظة تقلّبات الدعاية السياسية السطحية اليومية: فالأوساط نفسها – عموماً – والتي كانت تُصنّف نموذجياً، في وعينا وفي لا-وعينا، ضمن «الفينيقيين»... باتت تقدّم نفسها اليوم، عملياً وإلى حدّ كبير، كمدافعة عن... «العرب» و«العروبة» و«الهوية العربية»، بل وعن الدول العربية و«الأمن القومي العربي».
وهذه، كما أشرت، مفارقة تستحقّ التوقّف عندها، بما يتخطّى الملاحظة الآنيّة الاعتيادية.
ويتجلّى هذا التحوّل اللافت اليوم في أكثر من مستوى إذا ما راقبنا جيداً. مثلاً: لدى بعض الناشطين والقياديين، ولا سيما المنتمين تاريخياً إلى اليمين اللبناني، حيث نسمع في أحيان كثيرة خطاباً يركّز – بشكل بات نموذجياً إلى حدّ كبير - على الدفاع عن أمن الدول العربية وعن أقطار العرب وربما عن «العروبة» أو عن «المحور العربي»... إلى ما هنالك. أيضاً لدى عدد من الإعلاميين «الحديثي العروبة»، أو «المستعربين» إن جازت التعابير، الذين يبالغون أحياناً كثيرة في هذا الخطاب، إلى حدّ يكاد يبدو كاريكاتورياً. مثال معبّر: منذ أيام قليلة، أتذكر صيحة إعلامية - ذات أفكار وخلفيّة يمينية في العموم – بضيفها في الاستديو: «لكن، هل يجوز أن تُستهدف الدول العربية!»، أو ملاحظاتها – وكثير من زملائها - المتكررة عن الأمن القومي «العربي»، و«إخواننا العرب»، و«أصدقائنا العرب»... إلى ما هنالك.
كذلك لدى نخب متعددة واقعاً ضمن البيئات نفسها في العموم، وقد باتت تتبنّى هذا الطرح، خصوصاً في مواجهة ما يُسمى بـ«الخطر الإيراني» أو «الخطر الفارسي».
التوغّل في عمق الظاهرة عينها يُظهِر كذلك أنها قريبة جدّاً في الأغلب من الارتباط بالتموضعات الجيوسياسية التاريخية عندنا، أكثر من ارتباطها طبعاً بتحوّلات هوياتية أو ثقافية جدّية
هنا يبرز سؤال مشروع وعميق في الحقيقة، قد يطرحه بعض ذوي المقاربة الماركسية من أهلنا وأصدقائنا: هل نحن، في الواقع وفي مضمون الأمور، إنما أمام ظاهرة «بورجوازية» في عمقها؟ المقصود: هل نحن أمام ظاهرة مرتبطة، في نهاية المطاف، بتجليات مفهوم الصراع الطبقي (غير البعيدة طبعاً عن عامل المصالح المادية الراهنة)؟
على الرغم من إمكانية نقد هذا المفهوم الماركسي المركزي من بعض الزوايا، ولكن هذا السؤال يظل وجيهاً ويستحق التأمل. فقد يكون «التفسير الماركسي»، في اعتقادي هنا، قوياً وقوياً جداً نسبياً، أي في هذه المسألة «الفينيقية-المُستعربة».
والتوغّل في عمق الظاهرة عينها يُظهِر كذلك أنها قريبة جدّاً في الأغلب من الارتباط بالتموضعات الجيوسياسية التاريخية عندنا، أكثر من ارتباطها طبعاً بتحوّلات هوياتية أو ثقافية جدّية أو أساسية (أو «جوهرية»). ويمكن بالتالي، في هذا السياق، تفسير انتقال «الفينيقيين» عندنا إلى «عربٍ» من خلال عاملين رئيسيين، سنرى أنهما لا يخرجان – في عمق الأمور - عن إطار «التفسير الماركسي» نفسه في نهاية المطاف:
أوّلاً؛ وبدون إصدار حكم قيمي في هذا المقام، يرتبط الأمر على الأرجح بالعلاقة القريبة جدّاً عند هذه الأوساط المعنية بشكل خاص – وعلى عدة مستويات - بتأثيرات خارجية ذات طابع استعماري (غربي خصوصاً)، ولا سيما في صيغتها الأميركية المعاصرة، وعبر قنوات وأطر متعدّدة تؤثّر في توجهاتها الفكرية والسياسية والثقافية، وفي بناء مفاهيمها بشكل عام، وفي صياغة خطاباتها طبعاً.
باختصار، ومع تبسيط قدر الإمكان، وفقاً لـ«التفسير الماركسي» قيد النقاش، فإن الحالة الاستعمارية المعاصرة (والحديثة) ليست في أساسها إلا انعكاساً للحالة الرأسمالية البرجوازية الغربية، والتي أصبحت عالمية أو معولمة في هذا العصر. فالاستعمار، بهذا المعنى، يعكس في أسسه دينامية طبقية. وعليه، فإن مَن يتأثّر بعمق بهذا التوجّه الاستعماري، في لبنان وفي الدول العربية، ولا سيما منها ذات رؤوس الأموال المتحالفة بعمق أيضاً مع رأس المال العالمي: إنما يدرج جلّ حركته الاجتماعية والسياسية ضمن السياق الرأسمالي العالمي، وقد تكون حركته هذه - في نهاية المطاف وإلى حدّ كبير - مجرّد انعكاس له. وهذه نقطة أساسية وخطيرة جدّاً في ما يعني فهم «الظاهرة اللبنانية» بشكل عام.
من هنا، فإنّ ما يُسمّى بـ«الحالة الفينيقية» في لبنان، هو في أساسه «حالة بورجوازية» بهذا المعنى، ومن ثم يغدو تحوّله إلى «حالة عروبية أو مستعربة» أمراً طبيعياً أو منطقياً اليوم، لأنه ينسجم مع مسار «التوجّه الاستعماري» في هذه المرحلة، المُركّز على «عدوّ» من غير العرب بشكل خاص.
ثانياً؛ في الإطار عينه، نحن إذاً أمام حالة اجتماعية-ثقافية-سياسية (واقتصادية طبعاً) تتأثّر بوضوح وبعمق بتوجّهات البورجوازية الغربية (المهيمنة) بشكل خاص، والطبقة الرأسمالية المهيمنة عالمياً (وعربياً) بشكل عام. لكن، من زاوية هي أقرب إلى حياتنا اليومية الملموسة: لنقل ببساطة أيضاً إنّ المال كما هو معلوم، خصوصاً في المجال الإعلامي، يلعب دوراً محورياً في توجيه الخطاب ولا سيما ضمن نظام رأس مالي الطابع والميل... ما يفسّر، بالتالي، نظرياً وعملياً وإلى حدّ كبير، وانطلاقاً من كل ما سبق، هذا الدفاع العنيف حالياً، عند الكثير من هذه الأوساط، عن «العروبة» و«العرب» و«الدول العربية» و«الأمن العربي»، في سياق مواجهة إيران اليوم بشكل خاص، وما يوصف بـ«الخطر الإيراني»، أو بما يجب أن يوصف كذلك على الأرجح شبه اليقيني، بحسب المصلحة الرأسمالية-الاستعمارية العالمية الحالية المهيمنة على المشهد.
أعتقد حقّاً، أقلّه على المستوى التفسيري لهذه الظاهرة، أن أصدقاءنا الماركسيين هم على الأرجح محقّون -جدّاً- في هذه المسألة.





