التاريخ لا يُهجّر…مرافعة بوجه الإنعزال

عاجل

الفئة

shadow


 منجد شريف

في زمنٍ يتجرأ فيه البعض على استدعاء مفرداتٍ خطيرة ومسمومة كـ«التهجير»، وكأن الأوطان تُدار بعقلية الشركات الخاصة أو تُوزَّع وفق نزوات السياسة وموازين المصالح العابرة، يبقى التاريخ أصدق من الضجيج، وتبقى الجغرافيا أبلغ من كل خطابات التحريض والانقسام.

إن الشيعة في لبنان ليسوا طارئين ولا عابري سبيل، بل هم صميم هذه الأرض، متجذرون في هوية هذا الوطن منذ ولادته وقبلها بقرون طويلة. لقد امتدت جذورهم في جبل عامل والبقاع وبعلبك والهرمل، وكان حضورهم التاريخي راسخاً في مناطق كسروان وجبيل وغيرها، قبل كل التحولات الديموغرافية والسياسية التي عرفها لبنان عبر مراحله المختلفة. هم أبناء هذه التربة، حرثوها بعرقهم، وحموها بدمائهم، وكتبوا حضورهم في وجدان الكيان قبل أن تُولد الكثير من المشاريع السياسية الطارئة التي تحاول اليوم إعادة تعريف "الوطنية" على مقاسها.
من يقرأ تاريخ لبنان بموضوعية، يدرك أن هذا المكون كان ولا يزال حربة الوطن منذ عهد المماليك والسلطنة العثمانية وصولاً إلى الاستعمار الفرنسي. كانوا نواة الثورات لتحرره، وفي قلب معارك الدفاع عنه، وفي صلب حماية عروبته وهويته المشرقية، يوم حاولت مشاريع الهيمنة سلخه عن محيطه الطبيعي. فالجنوب الذي أُريد له أن يكون مشاعاً إستراتيجياً للعدو، تحوّل بصمود أهله إلى عنوان للكرامة الوطنية، والبقاع الذي عانى الحرمان لعقود، خرج منه رجال حملوا قضية وطن لا قضية فئة.

في هذا السياق، يبرز خطاب بعض الشخصيات السياسية والاقتصادية، ومن بينهم النائب نعمة الله إفرام، كامتدادٍ لنهجٍ انعزالي يعيد إنتاج منطق التصنيف البائد بين “أصيل” و”دخيل”. وكأن الوطنية تُقاس بالأهواء أو الأرصدة، لا بالالتزام بقضايا الناس. إن خطاب التحريض والدعوة المبطنة للتهجير عندما يصدر عن نائب في البرلمان، لا يعد هفوة سياسية، بل خطيئة وطنية كبرى، لما ينطوي عليه من نيات جاحدة وعقلية خشبية ما زالت تجد في خطاب الكراهية أسلوباً للمزايدة واستقطاب الغرائز.
إن لبنان لم يُبنَ على ادعاءات التفوق أو احتكار الهوية، بل على تفاعل عائلات وجماعات انصهرت جميعها في الهوية اللبنانية الجامعة. لذلك، فإن من يلوّح بالتحريض يسقط أخلاقياً، لأن الشراكة لا تقوم على التخوين أو التشكيك بحق الناس في أرضهم، بل على احترام التعددية. هذا الخطاب الذي يعزف على وتر الخوف الطائفي يعيد إنتاج أدبيات تجاوزها الزمن، وهي أدبيات لطالما ارتبطت بمشاريع التقسيم التي حاولت ضرب فكرة لبنان الواحد.
لا يستطيع منصف أن ينكر أن المقاومة في لبنان شكّلت تحوّلاً تاريخياً في الصراع مع الاحتلال. فهذه السواعد التي خرجت من القرى المحرومة، استطاعت أن تكسر أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر»، وألحقت بالعدو أول هزيمة استراتيجية عام ٢٠٠٠. لقد دفعت البيئة الشيعية أثماناً باهظة؛ سقط الشهداء لا دفاعاً عن طائفة، بل دفاعاً عن وطن بكل مكوّناته، عن كنائسه كما مساجده.
لذلك، فإن محاولة تصوير هذا المكوّن وكأنه جسم غريب، هي إهانة لكل التضحيات التي منعت سقوط البلد في مشاريع الاحتلال. وفي المقابل، فإن من راكموا الثروات واستخدموا منابرهم لإثارة الانقسام، لا يمكنهم ادعاء الحرص على العيش المشترك؛ فالاقتصاد الحقيقي يقوم على كرامة الناس، لا على الاستغلال والخطابات الشعبوية.

إن لبنان الذي نريده ليس لبنان المتاريس النفسية، بل لبنان الشراكة والكرامة. لبنان الذي يُقاس فيه الانتماء بمقدار العطاء والتضحية، لا بحجم النفوذ أو الخطاب المرتفع. من قدّم الدم دفاعاً عن الأرض، لا يأبه لعقلية الإلغاء، لأن جذوره أعمق من كل حملات التحريض، ولأن الأوطان تُحفظ بأهلها جميعاً، لا بفئة تدّعي احتكار الحقيقة.

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة