الفريق أول سلطان السامعي من معارضٍ لحروب الداخل اليمني من حرب صيف ٩٤ وصولا لحروب صعدة الستة داخل سلطة صنعاء ..
-------------------------
ا.مصطفى المغربي
١٤ مايو ٢٠٢٦م
-------------------------
في المشهد اليمني المعقد ، قلّما يمكن العثور على شخصية سياسية حافظت على خطابٍ ثابت نسبياً تجاه قضايا الحرب والسيادة والعدالة السياسية، كما هو الحال مع الفريق اول سلطان السامعي، الرجل الذي انتقل من موقع المعارض لسياسات النظام السابق،
إلى عضوٍ في أعلى سلطة سياسية قائمة في صنعاء ، قبل أن يجد نفسه – وفقاً لما يظهر من تصريحاته وتغريداته – في مواجهة شكلٍ جديد من التهميش والإقصاء داخل البنية التي أصبح جزءاً منها..،
الفريق السامعي القادم من محافظة تعز ، لم يكن اسماً هامشياً في الحياة السياسية اليمنية، بل عُرف منذ سنوات طويلة بمواقفه الناقدة لسياسات الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، خصوصاً فيما يتعلق بحرب صيف ٩٤ و الحروب الست التي شهدتها محافظة صعدة وشنتها الدولة اليمنية ضد جماعة انصار الله خلال العقد الأول من الألفية الجديدة.
هذا في الوقت الذي كانت فيه أغلب القوى السياسية تصطف خلف خطاب الحرب آنذاك، اتخذ السامعي موقفاً مختلفاً،
معتبراً أن الحسم العسكري لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام اليمني، وأن استخدام القوة ضد جزء من الشعب اليمني سيقود البلاد إلى انفجار أكبر في المستقبل.
وقد بدت تلك الرؤية – بالنسبة للكثيرين لاحقاً – أقرب إلى قراءة مبكرة لما ستؤول إليه البلاد بعد سنوات.
ومع اندلاع الحرب على اليمن أواخر مارس ٢٠١٥م ، إثر التدخل العسكري "العدوان" الذي قادته المملكة العربية السعودية والإمارات ضمن ما يسمى التحالف العربي،
تبنى الفريق السامعي موقفاً واضحاً رافضاً للحرب، واعتبر أن ما يجري يمثل عدواناً خارجياً سيدفع اليمنيون جميعاً ثمنه سياسياً وإنسانياً واقتصادياً.
وعلى امتداد سنوات العدوان ، ظل السامعي رافعا صوته يتحدث عن السيادة الوطنية ورفض الوصاية الخارجية، الأمر الذي عزز حضوره داخل معسكر صنعاء،
وصولاً إلى أن أصبح عضواً في المجلس السياسي الأعلى، وهو الكيان الذي يدير السلطة في المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله، كمجلس رئاسة للجمهورية رغم عدم الاعتراف الدولي به.
لكن المفارقة اللافتة أن الرجل الذي عارض الإقصاء والحروب في مراحل سابقة، بات اليوم – بحسب ما تكشفه تصريحاته العلنية – يشكو من ممارسات إقصائية داخل المؤسسة التي يفترض أنه أحد أعلى أركانها السياسية.
فخلال الأشهر الماضية، نشر السامعي سلسلة تغريدات وتصريحات انتقد فيها ما وصفه بتهميش أعضاء المجلس السياسي الأعلى، متحدثاً عن إغلاق مكاتب بعض أعضاء المجلس داخل دار الرئاسة، وتقليص صلاحياتهم، بل ووصول الأمر – بحسب تعبيره – إلى إغلاق نادي الضباط، وهو المكان الذي كان يستخدمه للقاء المواطنين والاستماع إلى قضاياهم والتوسط في حل مشكلاتهم.
وتشير هذه التصريحات بصورة غير مباشرة إلى حجم النفوذ المتنامي لـ أحمد حامد، الشخصية التي يصفها كثير من المراقبين بأنها تمثل مركز القوة الحقيقي داخل هرم السلطة في صنعاء ،
حتى بات يتردد في الأوساط السياسية والشعبية توصيف ساخر يقول إن “مدير المكتب أصبح أقوى من الرئاسة نفسها”..!!
وتكمن خطورة هذه التطورات في أنها لا تتعلق بخلافات شخصية أو تنافس بروتوكولي داخل مؤسسة سياسية، بل تعكس – وفقاً لكثير من المتابعين – أزمة أعمق تتعلق بطبيعة إدارة السلطة، وحدود الشراكة السياسية،
ومستقبل التعدد داخل مكونات الحكم في العاصمة اليمنية صنعاء .
فالسامعي ليس مجرد موظف حكومي يمكن تجاوزه بسهولة، بل عضو في أعلى سلطة سياسية قائمة، وتهميشه بهذه الصورة يبعث برسائل مقلقة حول شكل صناعة القرار، ومن يمتلك النفوذ الحقيقي، وما إذا كانت المؤسسات الرسمية تمارس دورها فعلاً أم أنها أصبحت مجرد واجهات شكلية لدوائر نفوذ غير منتخبة وغير خاضعة للمساءلة.
الأخطر من ذلك أن السامعي يمتلك رصيداً شعبياً وخطاباً مختلفاً عن كثير من الشخصيات التقليدية داخل السلطة، إذ يتحلى بمظهر السياسي القريب من الناس، وهو ما جعل إغلاق المساحات التي كان يلتقي فيها المواطنين يبدو – بالنسبة لمؤيديه – وكأنه محاولة لعزل صوته وتقليص تأثيره الشعبي.
وفي بلدٍ أنهكته الحرب والانقسامات ، تبدو قضية الفريق السامعي أكبر من مجرد خلاف داخلي ، فهي تعكس معضلة اليمن المستمرة منذ عقود:
هل تُدار الدولة عبر المؤسسات والقوانين، أم عبر مراكز القوى المغلقة؟
وهل يمكن لأي شراكة سياسية أن تستمر حين تتحول السلطة الفعلية إلى دوائر ضيقة تحتكر القرار والنفوذ؟
ما اريد قوله هنا .. إن ما يحدث اليوم داخل سلطة صنعاء يعيد إنتاج الأسئلة ذاتها التي دفعت اليمنيين سابقاً إلى الثورة على منظومات الحكم التقليدية، ويكشف أن أزمة اليمن لم تكن يوماً فقط في الأشخاص ، بل في طبيعة البنية السياسية التي تسمح بتضخم النفوذ غير الرسمي على حساب المؤسسات والدستور والشراكة الوطنية.
وبينما يواصل اليمنيون دفع أثمان الحرب والانهيار الاقتصادي والانقسام السياسي ، فإن أي تصدع داخل مراكز السلطة الحاكمة في صنعاء "مهما بدا محدوداً" قد تكون له تداعيات أوسع على مستقبل التوازنات الداخلية، وعلى شكل المرحلة القادمة في بلدٍ جريح لم يخرج بعد من دوامة الصراع المفتوح .
https://www.facebook.com/share/p/18SExeto9k/


