زياد العسل
رغم شلال الدم النازف من كل حدب وصوب، ورغم التواطؤ الداخلي والصمت العربي والدولي أمام واحدة من أكبر المآسي التي شهدها العصر الحديث، ثمة معادلة تُكتب بحبر الشهداء، عنوانها المركزي: انتصار الإرادة والروح في مواجهة آلة البطش والاستبداد.
أبناء الرضوان والقادة المرابطون على ثغور الجنوب يثبتون، بصمودهم وثباتهم في الميدان، أن الإرادة حين تسندها القوة ويعضدها الحق، قادرة على تغيير مجرى التاريخ وصناعة التحولات الكبرى. ورغم حملات التشويه والاتهامات التي تُكال لهؤلاء الذين تحركهم قناعاتهم الوطنية والإنسانية، يبقى الميدان هو الحكم الفصل،
وهو الذي يبرهن يومًا بعد يوم أن مشروع بنيامين نتنياهو والقوى التوسعية الداعمة له قد تلقى ضربة قاسية، بعدما عجزت سنوات من التدمير والقتل ومحاولات فرض الوقائع بالقوة عن تحقيق أهدافها المعلنة.
وفي المقابل، يبدو التفاوض اللبناني المتزامن مع مسار المواجهة عاجزًا عن إنتاج نتائج حقيقية توازي حجم التضحيات. فالتاريخ، في كثير من محطاته المفصلية، لم يُكتب إلا بإرادة الصمود والمواجهة المستندة إلى حقٍ واضح وعدالة قضية.
ورغم واقع الانقسامات والارتهانات التي أثقلت كاهل الدولة اللبنانية لعقود، فإن مساحة الوعي الوطني تتسع يومًا بعد يوم، ليدرك أبناء مختلف الطوائف والمكونات أن الصمود في الجنوب لم يكن دفاعًا عن فئة أو منطقة بعينها، بل عن لبنان بأسره، وعن حقه في البقاء سيدًا على أرضه وقراره.
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُحمى بالشعارات، ولا تُصان بالتمنيات، بل بالإرادة التي ترفض الاستسلام، وبالرجال الذين يصنعون من تضحياتهم جسورًا تعبر عليها الأجيال نحو مستقبل أكثر حرية وكرامة.
وما يجري اليوم في الجنوب ليس مجرد مواجهة عابرة، بل محطة تاريخية ستبقى حاضرة في ذاكرة اللبنانيين، باعتبارها واحدة من اللحظات التي أعادت التأكيد أن الشعوب الحية قادرة، مهما بلغت التحديات، على إفشال المشاريع التي تستهدف وجودها وهويتها ومستقبلها.



