*الـخـبـيـر فـي الـتـقـنـيـات الـجـويّـة الـعـبـاس أيـوب*
- *منظومة محلّقات الحزب الإنقضاضيّة أعادت تشكيل ميدان القتال في الجنوب.*
دفعت التطورات التكنولوجية خلال العقد الماضي الحروب نحو نماذج جديدة تقوم على الأنظمة الذكية والأسلحة منخفضة الكلفة والحرب السيبرانية، مع تراجع تدريجي في الاعتماد على الكتلة البشرية والآليات الثقيلة.
وفي هذا السياق، تبرز طائرات FPV المسيّرة كأحد أبرز الابتكارات التي أعادت تشكيل بعض معالم النزاعات المعاصرة.
في المواجهة المفتوحة على الجبهة اللبنانية، نجحت المقاومة في توظيف هذه المسيّرات ضمن تكتيكات متجددة، وواصلت تطوير أساليب تشغيلها استناداً إلى الخبرة الميدانية المتراكمة.
فمنذ ظهورها في معركة أولي البأس، خضعت هذه المنظومة لتطويرات تقنية وتكتيكية متواصلة راكمت خبرة تشغيلية مباشرة في مواجهة العدو، وصولاً إلى القدرات التي برزت خلال معركة العصف المأكول.
لعبت أنظمة التحكم عبر الكابلات البصرية (Fiber-optic) دوراً محورياً في هذا التطور، عبر تقليص فعالية منظومات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية وأدوات التشويش المصممة لاعتراض هذا النوع من التهديدات.
كما لم يقتصر التطور على المدى أو وسائل التوجيه، بل شمل تكتيكات الاستخدام نفسها.
فبعدما بدأت الهجمات عبر استهداف الهدف بمسيّرة واحدة، انتقلت لاحقاً إلى تنفيذ ضربات متتابعة على النقطة ذاتها خلال ساعات، وصولاً إلى تشغيل عدة مسيّرات ضد هدف واحد في الوقت نفسه.
ويعكس هذا الأسلوب انتقال المقاومة من مفهوم الضربة الفردية إلى مفهوم "إغراق الهدف"، بما يرفع احتمالات الإصابة ويزيد من حجم الخسائر ويعقّد قدرة القوات المستهدفة على الاستجابة أو الاحتماء.
ويكمن جوهر هذا التحول في نقل المواجهة من سباق تقليدي بين المسيّرة ووسائل كشفها واعتراضها، إلى سباق أكثر تعقيداً بين الابتكار الميداني وقدرة المنظومات الدفاعية على التكيّف.
ولطالما ارتكزت العقيدة الدفاعية الإسرائيلية في مواجهة الطائرات المسيّرة على أنظمة التشويش الإلكتروني التي تعمل على قطع الاتصال بين المسيّرة ومشغلها أو تعطيل أنظمة الملاحة والتوجيه، إلى جانب منظومات الاعتراض مثل القبة الحديدية.
وأمام هذا التطور، وجدت القوات البرية الإسرائيلية نفسها أمام تحدٍّ نوعي طال بصورة خاصة دبابات "ميركافا 4"، التي تعتمد في بقائيتها على منظومة حماية نشطة مثل "تروفي (Trophy)"، المصممة لاعتراض المقذوفات الصاروخية المضادة للدروع قبل وصولها إلى الهدف.
غير أن مسيّرات FPV فرضت نمطاً من التهديد يختلف كلياً عن افتراضات الاشتباك التي بُنيت عليها هذه المنظومات.
فبحسب ما وثقته مقاطع متداولة في الإعلام الحربي وما تناولته تحليلات عسكرية، فإن طبيعة تحليق هذه المسيّرات ــ بسرعات منخفضة نسبياً وقدرة على المناورة الحادة أو التوقف والتحويم ــ تجعل عملية تصنيفها الراداري أكثر تعقيداً، حيث يمكن أن تُقرأ أحياناً كأجسام غير قتالية أو تهديد غير مباشر، ما يحدّ من فعالية الاستجابة اللحظية.
وفي هذه الحالات، لا يعود الهجوم تقليدياً، بل يتحول إلى نمط "تسلل بصري" يبدأ بالمراقبة الدقيقة وينتهي باستهداف نقطة الضعف المختارة، مستهدفاً مناطق حساسة في التدريع مثل سقف الدبابة، ومحيط البرج، وفتحات التهوية، والمنطقة الخلفية الأقل تدريعاً.
وتعتمد هذه الهجمات على استطلاع منطقة العمليات قبل التنفيذ أو أثناءه، مع اختيار دقيق لنقاط التأثير، ما يضاعف أثر الرأس الحربي رغم محدوديته، ويحوّل منظومة تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات إلى هدف قابل للتعطيل بواسطة سلاح منخفض الكلفة.
وتعكس قائمة الأهداف التي استهدفتها هذه المسيّرات حجم التطور الذي طرأ على أساليب استخدامها.
فبعدما ارتبطت في بداياتها باستهداف الآليات والأفراد على خطوط التماس، امتد استخدامها ليشمل غرف العمليات الميدانية ومراكز القيادة والسيطرة، وضباط الجيش الإسرائيلي في مواقع الانتشار الأمامية، إضافة إلى وسائل الإمداد والدعم اللوجستي داخل المواقع العسكرية.
كما برزت قدرتها على استهداف المعدات الهندسية والجرافات التي يعتمد عليها الجيش في فتح المحاور وتعزيز التحصينات.
ولم يقتصر تأثير هذا التهديد على المناطق الحدودية، بل امتد إلى أهداف داخل العمق الإسرائيلي، حيث أظهرت المقاطع المنشورة عمليات استطلاع واستهداف لمنشآت ومواقع عسكرية حساسة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك استهداف منصات وبطاريات القبة الحديدية، التي تعرض بعضها للإصابة والتدمير، في مؤشر على انتقال هذه المسيّرات من دور الإسناد التكتيكي المباشر إلى أداة قادرة على تهديد منظومات دفاعية وأهداف ذات قيمة عملياتية أعلى.
كما برز تأثير مباشر على عمليات الإخلاء الطبي، إذ باتت المروحيات تُعامل كأهداف محتملة، ما دفع إلى تقليص زمن التمركز في الميدان إلى الحد الأدنى، أو اللجوء إلى الإخلاء البري رغم كلفته العملياتية المرتفعة.
في المحصلة، باتت الحلول التقنية البسيطة نسبياً، عندما تُوظّف بدقة وفعالية كما في مسيّرات FPV المزودة بالألياف الضوئية، قادرة على تقليص جزء من الفجوة التكنولوجية التي وفّرتها المنظومات باهظة الكلفة للطرف الآخر لعقود.
كما أن نجاح تشغيل هذا النوع من المسيّرات عبر الألياف الضوئية يفتح المجال أمام توسيع مدياته التشغيلية وتطوير مهامه ضد أهداف أكثر حساسية وقيمة عملياتية.
وقد انعكس ذلك في نقاشات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول إعادة النظر المستمر في مفاهيم الحماية والبقاء ضمن بيئة عمليات تتغير بسرعة، وما يرافق ذلك من بحث عن حلول غير تقليدية تراوحت بين إجراءات ميدانية بسيطة ووسائل حماية ارتجالية،
ما يعكس حجم التحدي الذي تفرضه هذه الفئة من السلاح، وقدرتها على إعادة تعريف العلاقة بين التكنولوجيا المعقدة والتهديدات منخفضة الكلفة.


