*الشاعر عبَّاس فتوني*
بَكَتْهُ عُيونُ الشَّوْقِ وهْوَ مُهَدَّمُ
وفي القَلْبِ نارُ الحُزْنِ لِلْفَقْدِ تُضْرَمُ
تَهَدَّمَ بَيْتٌ نَستَظِلُّ بِظِلِّهِ
وتَبْقى رُبى الذِّكْرى عَلَيْهِ تُخَيِّمُ
هُنالِكَ أَيَّامُ الصِّبا بِابْتِسامِها
وأَصْواتُ أَهْلينا بهِ تتَرَنَّمُ
هُنالِكَ أَفْراحٌ أَطَلَّ رَبيعُها
ودَمْعاتُ حُزْنٍ في زَواياهُ تُكتَمُ
تَصَدَّعَتِ الجُدْرانُ حَتَّى كَأَنَّها
قُلوبٌ عَلى فَقْدِ الأَحِبَّةِ تَلْطِمُ
وكَمْ مَرَّ في أَرْجائِهِ صَوْتُ والِدٍ
حَنونٍ، وروحُ الأُمِّ فيه تُكَلِّمُ!
وكَمْ ضَحِكَتْ في جانِبَيْهِ طُفولَةٌ
وكَمْ سَهِرَتْ تَرْعى البَراءَةَ أَنْجُمُ!
وكَمْ جَمَعَتْنا فيهِ مائِدَةُ الهَنا
فَيَزْهو بِأَهْليهِ، وضَيْفٍ يُكَرَّمُ!
فَلِلَّهِ أَيَّامٌ مَضَتْ في رِحابِهِ
تُعَلِّمُنا أَنَّ المَحَبَّةَ أَدْوَمُ
فَما البَيْتُ إِلَّا تُرْبَةٌ وهْيَ تَنْقَضي
ورَبُّكَ بَعْدَ العُسْرِ بِالخَيْرِ يُنْعِمُ
سَيَبْقى رُكامُ الدَّارِ يَشْهَدُ أَنَّنا
إِذا ما ابْتُلينا بِالمَصائِبِ نَحْلُمُ
لَئِنْ صارَ بَيْتُ الأُنْسِ كَوْمًا مِنَ الثَّرى
عَلى عَهْدِنا باقونَ هَيْهاتَ نُهْزَمُ
وإِنْ هُدِّمَتْ دارٌ حوَتْ ذِكْرَياتِنا
فَذِكْرى الوَفا في الصَّدْرِ لا تَتَهَدَّمُ
سَنَرْفَعُ مِنْ رُكْنِ الرُّكامِ مَنارَةً
ويَبْقى رَجاءُ القَلْبِ لِلنُّورِ يَبْسِمُ
ويَفْتَحُ لِلآمالِ بَعْدَ انْكِسارِها
دُروبًا مِنَ الإِشْراقِ حَيْثُ نُيَمِّمُ
ويَغْرِسُ في أَعْماقِنا بَعْدَ مِحْنَةٍ
يَقينًا بِأَنَّ اللهَ يُعْطي ويَرْحَمُ
أُفَتِّشُ في الأَنْقاضِ عَنْ ظِلِّ ضَحْكَةٍ
فَيُفْضي إِلَيَّ الصَّمْتُ ما لا يُتَرْجَمُ
فإِنْ غابَ عَنْ عَيْنَيَّ رَسْمُ جِدارِها
فَفي القَلْبِ بُنْيانٌ مِنَ الحُبِّ مُحْكَمُ
فَلَيْسَتْ بُيوتُ العالَمينَ حِجارَةً
ولَكِنَّها ذِكْرى وحُبٌّ مُجَسَّمُ





