*ثنائية المقاومة اللبنانية وإيران وإجهاض ولادة "إسرائيل الكبرى"*
*الدكتور نسيب حطيط*
تقف ثنائية "المقاومة اللبنانية وإيران" على مشارف إعلان إجهاض ولادة "إسرائيل الكبرى" و"الشرق الأوسط الأمريكي "، بفضل ثباتها وقتالها الأسطوري منذ حرب 2023، بعدما استطاعت المقاومة اللبنانية ، المتراس المتقدم للأمتين العربية والإسلامية في جنوب لبنان (جبل عامل) وقف الزحف الإسرائيلي الهادف لاحتلال العالم العربي والإسلامي جغرافياً، وعقائدياً، وسلبت العدو إعلان النصر، طالما لازالت تقاتل وفرضت مقايضة أمن المستوطنات مقابل أمن الضاحية الجنوبية فربحت أولى نقاط القوة في منظومة توازن الردع، مُضافة للثبات في الميدان.
تشكل المقاومة اللبنانية ،هدفاً رئيسياً للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي ، وفق استراتيجية وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "هنري كيسنجر"، التي تقوم على استحالة حل أزمة الشرق الأوسط "سلة واحدة"، بل عبر الإمساك بأوراق الضغط وتفكيك الجبهات وهذا ما بدأه ، بعزل جبهة مصر عبر اتفاقية "كامب ديفيد"، ثم الأردن، وصولاً إلى اتفاقية "أوسلو" التي عزلت حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة الأساسية (فتح) ويُنقل عن كيسنجر قوله (إن مَن يمسك ورقة الجنوب بيده اليسرى، يمسك أزمة الشرق الأوسط بيده اليمنى.. وإذا زادت كلفة أمن إسرائيل من الجنوب، يجب تعديل ميزان القوى هناك)!
إن بقاء المقاومة اللبنانية ،كجبهة برية وحيدة في مواجهة إسرائيل، يزيد من الأخطار المحيطة بها، والاستهداف للقضاء عليها كمقاومة مسلحة، لا سيما بعد نجاح إسرائيل بتحييد حركات المقاومة الفلسطينية المسلحة والأنظمة العربية التي كانت ترفض السلام مع إسرائيل وتشكل تهديداً عسكرياً لها.
إن القضاء على المقاومة اللبنانية المسلحة ،هدفٌ رئيسي يتقدم على كل أهداف التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وقد جاءت حرب المئة يوم التي خاضتها المقاومة اللبنانية –ولا تزال– لتؤكد مخاوف وهواجس إسرائيل وأمريكا، بعدما استطاعت المقاومة الصمود أمام خمسة فِرق من الجيش الإسرائيلي، الذي احتاج مئة يوم للتقدم مسافة 7 كيلومترات فقط، دون قدرة على الاستقرار، ودون تأمين أمن مستوطناته، مما يمنع العدو القبول بأي وقف لإطلاق النار أو هدنة لا تؤدي إلى نزع سلاح المقاومة الذي يسلب إسرائيل الأمن أو استثمار ما أنجزته استراتيجياً في فلسطين وسوريا والعالم العربي فلا معنى لسيطرة إسرائيل على فلسطين والمنطقة، وهي تجاور حركة مقاومة عقائدية لا تعترف بها، وترفض السلام معها، وهزمتها عام 2000، ومنعتها من الانتصار عام 2006، ولا زالت صامدة منذ العام 2024 رغم كل الحصار والتوحش الإسرائيلي.
إن وقف إطلاق النار الذي فرضته ثنائية "المقاومة اللبنانية وإيران" على الثنائي الأمريكي-الإسرائيلي هو قرار مؤقت، يمكن أن ينهار في اللحظة التي يستطيع الثنائي الامريكي_الاسرائيل توجيه ضربة قاصمة لثنائية المقاومة، إلا إذا اتجهت أمريكا إلى استراتيجيتها البديلة المتمثلة في "احتواء التطرف" إذا عجزت عن القضاء عليه، والاتفاق مع محور المقاومة على المساكنة والمهادنة لإنهاء الصراع المسلح في الشرق الأوسط، والاكتفاء بما غنمتاه في العالمين العربي والإسلامي (والذي يشكل نسبة 90% منه)، والقبول مرحلياً ،ببقاء لبنان وإيران واليمن خارج الهيمنة المباشرة"الأمريكية-الإسرائيلية"، والرضا باستقلالية نسبية تحت الرقابة والحصار، بانتظار حرب جديدة.
تريد أمريكا وإسرائيل لهذه الحرب أن تكون الأخيرة، وتستعدان لدفع ثمن معقول، لمحور المقاومة لإنهائها، مع المراهنة على عامل الوقت لتفكيك هذه الجبهات عبر "الحرب الناعمة" (الاقتصادية والفتنوية)، وصناعة جيل جديد لا يؤمن بالمقاومة، ويحصر اهتمامه بتأمين مقومات عيشه اليومي، وجذبه إلى منظومة خادعة ترّوج لـ “حب الحياة" وإن كان محكوماً بالذل والتبعية والعبودية.
إذا نجونا من هذه المرحلة المتوحشة والقاسية من الحرب، فإن الواجب يقتضي منا مراجعة ما مضى، وترميم منظومتنا العقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبناء "مجتمع مقاوم" أو "مجتمع حرب" استعداداً لحرب جديدة ستشنّها إسرائيل _إن لم نوافق على الاعتراف بها وتسليم سلاحنا_ ولا بد من صياغة استراتيجية واضحة، والبدء بمناقشة موضوعية للإجابة عن أسئلة لازمة ..
- ماذا يريد الشيعة اللبنانيون وما هو مشروعهم؟
-كيف يحفظ الشيعة وجودهم فيه دون التنازل عن المبادئ، ومع حفظ الثوابت وعدم الانعزال؟
-دور المقاومة واندماجها في استراتيجية دفاعية تحمي لبنان وتطمئن الطوائف ولا تتجاوز الدولة؟
-تحديد المسؤوليات وفق الإمكانيات، لتحرير الأرض، ومغادرة منهج "المياومة السياسية والانفعالية، والتصرف بواقعية .
-العمل وفق الحكم الشرعي والمصلحة الوطنية وليس وفق القرار الطائفي او الحزبي .
واجبنا ، حفظ الوجود، والعقيدة، والتاريخ، والجغرافيا، مِمَّا يستدعي إشراك المقاومين الوطنيين والطائفة في النقاش لتقرير المصير، فكما تدفع الطائفة وِزر الحرب وضريبتها الدموية والاقتصادية، فمن حقها الشرعي أن تشارك في قرار الدفاع عن نفسها وصياغة مستقبلها.


