لا يختلف اثنان على أنّ لبنان يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة تعكس نفسها على أكثر من صعيد في الحياة اليومية. هذا كان قبل تصاعد العدوان "الإسرائيلي" بشكل كبير جداً منذ 2 آذار الماضي، وأبرز ما خلّفه من تداعيات يتمثل بحجم النزوح الكبير، وتوقف دورة الإنتاج في الجنوب بشكل كلي تقريباً، علماً أنّ مساهمة الجنوب في الدورة الاقتصادية لا تقلّ عن 25 في المئة، إضافة إلى نتائج أخرى مرئية وغير مرئية حتى الآن، خاصة أنّ العدوان لم يتوقّف بعد...
لذلك ربما يكون من المبكّر الحديث عن وضع خطط نهائية للتعافي الاقتصادي، لكن هذا لا يمنع أبداً من اتخاذ إجراءات جدية من شأنها معالجة الكثير من المشاكل وإزالة الكثير من المعوقات من أمام حركة الاقتصاد الوطني، وهذه الإجراءات كانت مطلوبة قبل الحرب بوقت طويل، ويعود معظمها إلى عقود سابقة سادت فيها السياسات المالية والنقدية الخاطئة والمخالفات الجسيمة التي أوْصلت البلد في النهاية إلى الانهيار الاقتصادي الكبير في تشرين الأول 2019،
المطلوب والمُلحّ على طريق المعالجات هو البدء بتطبيق القوانين، حيث لا يمكن لأحد أن ينكر أنّ لبنان بلد لا تُطبّق فيه القوانين، وإذا جرى التطبيق في ظرف ما وفي قضية ما يكون ذلك استنسابياً وليس من ضمن مخطط عام يشمل الجميع ويطال كلّ القضايا وفي كلّ المجالات.
ابدأوا فوراً بتطبيق القوانين ولا تجعلوا من الحرب شمّاعة تعلّقون عليها الحجج الجاهزة ليس فقط لتبرير عدم التطبيق بل لتبرير استمرار المخالفات... وعلى سبيل المثال لا الحصر: ما علاقة الحرب بعدم تطبيق القانون على القطاع المصرفي بشقّيه العام والخاص؟ علماً أنّ المسؤولين عن هذا القطاع جلبوا الخراب للبنان واللبنانيين وضيّعوا عليهم مدّخراتهم وجنى أعمارهم، وحتى الآن لم يُحاكَم أيّ مسؤول من هؤلاء بشكل جدي، وما نراه من محاكمات للبعض لا يرقى إلى مستوى الجرائم المرتكبة بحقّ البلد والناس.
أيضاً لا بدّ من تطبيق القانون على الإعلام، ولا بأس هنا بشيء من التشدّد، لأنّ بعض وسائل الإعلام لا تتورّع عن صبّ الزيت على النار من دون أيّ وازع أو رادع، بل اننا نرى ونسمع تقارير وتحقيقات تبرّئ هذا وتتهم ذاك... فقط من أجل حفنة إضافية من الدولارات!
وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي هناك الكثير من الإجراءات والخطوات التي يمكن اتخاذها للتخفيف عن الناس في هذه الظروف الصعبة، وهنا لا نقصد النازحين فقط، بل المقصود أيضاً المجتمعات المُضيفة وكلّ اللبنانيين في مختلف المناطق، لأنّ المعاناة شاملة وتطال الجميع.
وها هو مثال إعادة افتتاح مطار القليعات، بما يمثل من مرفق عام من شأنه، إذا توفرت له الإدارة السليمة، أن يرفد الاقتصاد اللبناني بعائدات مجزية، خاصة إذا تمّت الاستفادة من موقعه لخدمة الأشقاء في سورية والعراق وغيرهما، بالتكامل مع مرفأ طرابلس الذي لعب في الماضي دوراً كبيراً على هذا الصعيد، لا سيما أيضاً إذا أعيدَ تشغيل مصفاة طرابلس.
الأمر نفسه يمكن أن يكون في البقاع مع تشغيل مطار رياق، وفي الجنوب مع إعادة تشغيل مصفاة الزهراني، وهنا إشارة إلى أنّ اليونان استفادت من عائدات مصافي النفط لديها في حلّ الأزمة الاقتصادية الخانقة التي مرّت بها قبل عقد من الزمان.
هذا بالإضافة إلى الاستعداد لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب حيث لا يمكن للاقتصاد أن يتعافى إلا عبر زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز الطلب الداخلي وتوسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية، حتى لا نحوّل التحسّن في مؤشرات الاستهلاك إلى طلب على السلع المستوردة، بما أنّ الاقتصاد اللبناني هو اقتصاد مستورد بشكل عام. وهذا يتطلّب الكثير من الاهتمام بالصناعة والزراعة المحلية والتركيز على القطاعات القابلة للنمو السريع وإعطاء المستثمرين فيها الحوافز اللازمة لكي يعززوا استثماراتهم في هذا البلد، بدلاً من أن يفكروا في نقل هذه الاستثمارات إلى بلد آخر...
وهنا يجدر التنويه بالقرار السعودي المتعلق باستئناف استقبال الصادرات اللبنانية بعد سنوات من التوقف. ومن الضروري أيضاً إعادة وصل ما انقطع رسمياً مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والاستفادة مما تعلنه إيران دائماً عن استعدادها لمساعدة لبنان على أكثر من صعيد...
طبعاً الحديث لا ينتهي عن تفعيل الاقتصاد وتحفيز النمو، لأنّ المطلوب كثير والأفعال قليلة جداً...



