*حرب المصطلحات*
*علي رضا ناصرالدين*
*حين تُصبح الكلمات سلاحاً وتُصبح الهدنة مسرحية*
وقّعت الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية أمس الكترونياً اتفاقاً لوقف الحرب في الشرق الأوسط، اتفاقٌ يُفترض أن يشمل وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، وانسحاب جيش الاحتلال إلى ما وراء الحدود اللبنانية. كلماتٌ جميلة، صياغاتٌ دبلوماسية رنّانة، ومصطلحاتٌ يُفترض أنها تُعيد الأمل إلى منطقة نزفت حتى الثمالة.
لكن الواقع على الأرض يقول العكس تماماً.
*إسرائيل لا تقرأ الاتفاقيات... تكتبها بدمائها الخاصة...*
لم ينسحب الجيش الإسرائيلي. لم يتراجع خطوة واحدة. سماء لبنان لا تزال مستباحةً بالطائرات الصهيونية، والأرض اللبنانية لا تزال تئنّ تحت وطأة القصف والاغتيال والتدمير. فقط تغيّرت المصطلحات، وهذا هو جوهر اللعبة الإسرائيلية منذ عقود.
اغتيلَ مواطنٌ لبناني يبعد أكثر من ثلاثة كيلومترات عن أقرب نقطة لقوات الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، ولكن تحت مسمّى *إزالة تهديد*. قُصفت مواقع لبنانية عدة، ولكن تحت مسمّى *إحباط مُركَّز*. لم يعد القتل قتلاً، ولم يعد العدوان عدواناً، بل أصبح كل جريمة تحمل *لافتةً مصطلحية* تُضفي عليها شرعيةً زائفة في أروقة الإعلام الصهيوني.
هذه هي *حرب المصطلحات* ؛ الحرب الأشدّ خطراً لأنها تُزوّر الحقيقة قبل أن تصلك.
*أمريكا: شريك الجريمة بلغة الشاهد*
الولايات المتحدة الأمريكية تُعلن الاتفاق بيدٍ، وتغضّ الطرف بيدٍ أخرى. تدّعي رعاية السلام فيما طائراتٌ تُموَّل بدولاراتها تمزّق سماء لبنان. هذه ليست سياسة مزدوجة المعايير فحسب، بل هي شراكةٌ كاملة في الجريمة مُغلَّفة بخطاب إنساني. واشنطن لا ترى العربدة الإسرائيلية لأنها لا تريد أن ترى، لأن رؤيتها تعني محاسبتها، والمحاسبة تعني كسر أعزّ تحالفاتها الاستراتيجية في المنطقة.
حين تصمت واشنطن عن قتل مدنيٍّ على بعد ثلاثة كيلومترات من حدود الاحتلال، فإن صمتها هذا موقفٌ سياسيٌّ صريح، مهما حاولت إلباسه ثوب الحياد.
*السلام الحقيقي؟ إسرائيل لا تريده*
دعونا نكون صرحاء تاريخياً. إسرائيل لم تكن يوماً دولةً تسعى إلى السلام. السلام يعني لها حدوداً معترفاً بها، ويعني وقف الاستيطان، ويعني إنهاء الاحتلال، ويعني اعتراف بدولةٍ فلسطينية مستقلة بجانبها. وهذا بالضبط ما لا تريده، ولا تقبله، ولا تُطيقه. فإسرائيل دولةٌ تتغذّى على التوتر وتُبنى على التوسع. وقف الحرب بالنسبة لها ليس سلاماً بل فرصةٌ لإعادة ترتيب الأوراق قبل الجولة التالية.
كل اتفاقٍ توقّعه إسرائيل هو في جوهره هدنة تكتيكية ريثما تُكمل مخططها التوسعي بوتيرة أهدأ وأقل إزعاجاً للرأي العام الدولي.
إسرائيل ليست سبب مشكلة واحدة في الشرق الأوسط، إسرائيل هي المشكلة بامتياز. منذ نكبة ١٩٤٨ وكل حروب المنطقة وصراعاتها وأزماتها اللاجئين وانهيار الدول تدور في فلك واحد. الوجود الاستيطاني المسلّح الذي زُرع في قلب المنطقة بقرار استعماري، ويُصرّ على البقاء بالقوة وحدها.
*إيران وقعت في فخّ المصطلحات*
أمّا الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد وقّعت اتفاقاً لوقف الحرب مع واشنطن، ظانّةً أن الورقة الدبلوماسية ستُلزم إسرائيل بشيء. لكن إيران وقعت -عن سابق دراية أو عن حسن نية- في خديعة المصطلحات؛ فالاتفاق الذي لا يتضمن آلية إلزامية لإسرائيل هو اتفاقٌ لا يساوي الحبر الذي كُتب به.
حين يُوقَّع الاتفاق مع واشنطن، ولا تُوقّعه تل أبيب، ولا تُلزمها به، فمعنى ذلك أن الاتفاق وُجد لإعطاء أمريكا غطاءً سياسياً لا لإيقاف الحرب. إيران ربحت الاتفاق الورقي وخسرت الرهان الميداني، وإسرائيل تواصل عربدتها باطمئنان من لا يخشى محاسبة.
*الاتفاق على حافة الانهيار*
ما تفعله إسرائيل اليوم في لبنان كفيلٌ بتفجير هذا الاتفاق قبل أن يجفّ حبره. كل مواطن يُغتال تحت يافطة *تهديد أمني*، وكل موقع يُقصف تحت يافطة "إحباط مُركَّز"، هو رصاصةٌ في صدر هذا الاتفاق. وحين تسقط الهدنة، ويعود لهيب الحرب، فلن يتذكر أحدٌ من المجتمع الدولي أن إسرائيل هي من أحرق ورقة الاتفاق؛ لأن المصطلحات ستكون جاهزة، والتبريرات ستكون معلّبة، والضحية ستكون مُدانةً مسبقاً.
السلام في الشرق الأوسط ليس مستحيلاً لأن المنطقة عصيّة على الاستقرار، السلام مستحيلٌ طالما بقيت دولةٌ في قلب المنطقة تؤمن بأن وجودها مشروطٌ بدمار جيرانها، وطالما بقي الغرب يُمدّها بالسلاح ويحميها بالفيتو ويُجمّل جرائمها بالمصطلحات.
السلام الحقيقي يبدأ حين تنتهي ازدواجية المعايير. والعدالة الحقيقية لا تعيش في جملة دبلوماسية، بل تُبنى على أرض محرّرة.
*المصطلحات تُغيّر الروايات، لكن الدم الذي يسقط على التراب اللبناني لا يُغيّر لونه مهما تبدّلت التسميات*


