*ثمن الأزمات... وثمن الحلول!*
دفع لبنان واللبنانيون غالياً جداً ثمن الأزمات التي مرّت على هذه البلاد الجميلة. والثمن كان من كلّ الجوانب... البشر والحجر والزرع والضرع، والحاضر والمستقبل...
وإذا افترضنا أننا اليوم في زمن الحلول كما يحاولون إقناعنا، فإننا غير مستعدّين أبداً لأن ندفع مجدّداً ثمن الحلول، بعدما دفعنا ثمن الأزمات، علماً أن لا ضمانات بأنها حلول نهائية لا تعيدنا بعد قليل إلى مربّع الأزمات والحروب... وبالتالي العودة مرة أخرى إلى دائرة دفع الأثمان.
وها نحن نرى اليوم مَن يضع لبنان أمام اختبار قاسٍ جداً، إذ انّ السلطة تغامر بمصير البلد والناس، مستندة إلى وهم أنّ العدو "الإسرائيلي" قد يأتي منه ذرّة خير، ومستندة أيضاً إلى الأميركي الذي لم يأت منه للبنان ولكلّ المنطقة على مدى قرن من الزمان إلا الويلات والخراب والدمار...
ذهبوا إلى مفاوضات واشنطن بعدما تخلّوا عن كلّ ما يمكن أن يعطيهم بعض القوة، وهذا ما يُسمّيه الخبراء في علم التفاوض "الغباء المطلق"، كتوصيف علمي بحت ليس المقصود منه توجيه إساءة شخصية لأحد.
وتبعاً لذلك عادوا بنتيجة تكاد تكون أقلّ من الصفر، حيث لا تتضمّن البنود الـ 14 من "اتفاق الإطار" أيّ مكسب أو مصلحة للبنان. كلّ البنود خطيرة... عدم انسحاب جيش الاحتلال، عدم ذكر الأسرى، التغافل عن اتفاقية الهدنة، الاعتراف بـ "إسرائيل" كدولة، ترك عودة النازحين رهن مشيئة العدو، التنازل عن حق محاسبة "إسرائيل" ومقاضاتها أمام المحاكم الدولية على جرائمها، وهذا ما لا يحق للسلطة أن تفعله لأنّ هذا الحق يبقى رغم كلّ شيء محفوظاً للمتضرّرين كأفراد حتى لو تخلّت دولتهم عن ملاحقة المجرمين.
على أنّ الأخطر يتمثل في موافقة وفد السلطة على جعل الجيش اللبناني يخضع لامتحان يومي يجريه جيش الاحتلال ليقرّر إذا ما كان جيشنا قد نجح بمهمته في هذه المنطقة التجريبية أو تلك، و"النجاح" بمفهوم الاحتلال هو التصادم مع المقاومة وإيقاع الفتنة الداخلية في لبنان، وهو ما لن يقع فيه الجيش ولا المقاومة بطبيعة الحال...
إنقاذ البلد يقتضي وقف مسار واشنطن وكلّ ما نتج عنه أو سينتج عنه، والمصلحة الأكيدة للبنان هي الاستناد فقط إلى ما ورد في مذكرة التفاهم الإيرانية ـ الأميركية، التي تفرض على العدو الإسرائيلي أن يوقف عدوانه وحربه وأن ينسحب من الأراضي اللبنانية المحتلة خلال فترة الستين يوماً، من دون أيّ مقابل سياسي أو أمني...
نحن في لبنان لا نريد أكثر من ذلك، فقط وقف العدوان كلياً، براّ وجواً وبحراً، وانسحاب جيش الاحتلال، وإطلاق الأسرى، وعودة أبناء الجنوب إلى قراهم وأرضهم حتى الحدود الدولية، ثم البدء بإعادة البناء والإعمار... مع التأكيد على تطبيق اتفاقية الهدنة التي تحفظ الأمن للجميع، وهذا ما يحققه أيضاً اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في 27 تشرين الثاني 2024، بدليل أنّ المقاومة التزمت به طوال خمسة عشر شهراً، وعلى العدو أن يلتزم به بشكل كامل حتى تتحقق معادلة "الأمن مقابل الأمن"، لأننا بغير ذلك لن يكون أمنٌ لأحد، وسيبقى الجميع في دوامة الحرب...
أخيراً نصيحة مجانية لأهل السلطة... اتركوا الرهان على الأميركيين، ولا تقدّموا للعدو أيّ تنازل، واحصلوا مجاناً على وقف النار وانسحاب الاحتلال بنتيجة المسار الإيراني ـ الأميركي، وركزوا اهتمامكم على إيجاد الحلول المناسبة للأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية... طبعاً ليس بالمزيد من الضرائب، كما فعلتم بالأمس، لا ضريبة البيئة ولا غيرها، وهذا ما سنعود إليه قريباً...


