*عن ايران اليوم*
*بقلم الاستاذ الاعلامي الياس المر -امين عام الاتحاد المسيحي المشرقي*
إيران… يا أرض العزّ والكرامة، يا أرض البطولة والشهامة.
هكذا بدت لي في زيارتي الأخيرة بعد الحرب؛ ليست بلداً خرج من محنة، بل أمّة خرجت أكثر تماسكا وصلابة، وأكثر إيماناً بنفسها وبقدرتها على النهوض من بين الركام. كنت أظن أنني سأرى آثار التعب والانكسار، فإذا بي أمام شعب يتحرك كخلية نحل، لا يعرف التراجع ولا الاستسلام.
منذ اللحظة الأولى، كان المشهد مختلفاً. الأعلام تخفق في الطرقات والساحات، والناس يمضون في حياتهم بثبات غريب يشبه اليقين. المقامات تعجّ بالزائرين ليل نهار، والوجوه الممتلئة بالدعاء والسكينة توحي بأن هذه البلاد لا تستمد قوتها من السياسة وحدها، بل من جذور روحية عميقة تربط الأرض بالسماء.
أما الجامعات، فكانت صورة أخرى من صور هذا الإصرار. لا عطلة صيفية حقيقية في إيران، لأن الصيف هناك ليس للراحة، بل للتحضير والعمل والاستعداد لشتاء اعتاد أن يكون قاسياً. في المختبرات والقاعات والورش، ترى جيلاً يؤمن بأن العلم جزء من معركة البقاء والسيادة، وأن الأمم لا تحمي نفسها بالشعارات فقط، بل بالعقول والسواعد والإنتاج.
إيران في هذه الأيام تعيش لحظة تاريخية استثنائية، وهي تودّع شهيدها الأسمى والأقدس، آية الله الخامنئي. ملايين الناس خرجوا في مشهد مهيب تختلط فيه الدموع بالفخر، والحزن بالعهد. وفود دولية وشخصيات من مختلف أنحاء العالم حضرت لتشارك هذا الوداع الذي بدا وكأنه إعلان ولادة مرحلة جديدة أكثر قوة وتصميماً.
ما لفتني في إيران ليس فقط الحشود ولا الشعارات، بل روح الناس اليومية. الجميع يعمل. لا وقت للمناكفات، ولا للوشايات، ولا لتصفية الحسابات الصغيرة. هناك شعور عام بأن الوطن أكبر من الأفراد والخلافات. ترى التنظيم في الشوارع، والنظافة في المدن، والخدمات التي تعمل بإيقاع ثابت، والطاقة التي لا تهدأ. وفي المقابل، يكاد يغيب ذلك المشهد المألوف في كثير من البلدان من فساد وسمسرات واختلاسات وعبث بالمصلحة العامة.
هي قارة بمساحتها، لكنها تشبه القرية في دفء ناسها. كل من التقيتهم كانوا يتسابقون لخدمتك واستقبالك بحفاوة صادقة. والأجمل أن هذا الاحتضان يتضاعف حين تكون من غير الطائفة السائدة. تشعر أنهم لا يريدون تابعاً، بل شريكاً وفياً في الإنسانية والمصير، يحفظ الخبز والملح ولا يغدر ولا يطعن.
وفي ليلة الرحيل، بقيت الكلمات تختنق في القلب:
نم قرير العين يا من سهرت وتعبت وربّيت أجيالاً على حب الله والوطن. نم قرير العين، فهذه إيران الناهضة الخارجة من بين الأحقاد نحو غد أكثر إشراقاً. نهجك ما زال قائماً في النفوس والعقول؛ عقول علمية حيّرت الغرب، وعقول حوزوية نصرت الدين، وعقول دبلوماسية واجهت الطغيان، ويد حارسة قابضة على الزناد لا تنام ولا تأمن للأعداء جانباً.
يودعونك اليوم في خير خاتمة، لكنهم لا يودّعون مشروعاً أو مسيرة. ففي اليوم الثالث تبدأ القيامة الحقيقية؛ قيامة أمة لا تعرف الموت، ومسيرة عنوانها الدائم: هيهات منا الذلة.


