*مشاهد من طهران: فلسطين ولبنان أكبر الحاضرين* لا يشعر الزائر للمشاركة في مراسم تشييع الإمام السيد علي الخامنئي، بأنه وصل إلى

عاجل

الفئة

shadow
*مشاهد من طهران: فلسطين ولبنان أكبر الحاضرين*

لا يشعر الزائر للمشاركة في مراسم تشييع الإمام السيد علي الخامنئي، بأنه وصل إلى عاصمة تستعدّ لحدث رسمي أو مراسم بروتوكولية، بل مدينة تعيش لحظة استثنائية بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى. على الطريق من المطار إلى الفندق، يبدو واضحاً أن العاصمة الإيرانية دخلت في إيقاع مختلف، يمتزج فيه الحزن بالفخر، وتلتقي فيه الذاكرة بالتطلّع إلى المستقبل، فيما يطغى على المشهد شعور عام بأن البلاد تستعدّ لوداع شخصية قيادية مركزية طبعت تاريخها السياسي والديني لعقود.

الشوارع مكتظّة على نحو غير مألوف: حركة السير لا تهدأ على مدار الساعة، فيما يعمل عشرات الآلاف من دون انقطاع لاستكمال التحضيرات لمراسم تمتدّ أياماً عدة، ويُتوقّع أن يشارك فيها عشرات الملايين من الإيرانيين، إلى جانب وفود رسمية ودينية وسياسية وإعلامية من مختلف أنحاء العالم. ويؤكد كثير من سكان المدينة أنهم لم يشهدوا من قَبل هذا الحجم من الحركة البشرية، وأن العاصمة تستعدّ لإحدى أكبر المناسبات في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

لكن أكثر ما يلفت الانتباه ليس ضخامة الاستعدادات ولا كثافة الحشود، بل الرسالة التي تتكرّر في كلّ زاوية من المدينة. من الصعب أن يتجوّل الزائر في شوارع طهران من دون أن يلحظ اللافتات التي تربط بين مسيرة الإمام الشهيد الذي اغتالته إسرائيل والولايات المتحدة، وبين القضية المركزية الفلسطينية والمقاومة المستمرّة في جنوب لبنان. وإلى جانب صور الإمام في مختلف مراحل حياته، تنتشر شعارات تؤيد المقاومة والكفاح المسلّح، بينما ترفرف الأعلام الفلسطينية وأعلام «حزب الله» في عدد من الساحات، وتغطي الجداريات التي تتناول التضحية والجهاد واجهات المباني والميادين العامة. يترك هذا كله انطباعاً بأن مراسم التشييع لا تقتصر على وداع قائد، بل تحمل أيضاً رسائل تتجاوز حدود إيران إلى قضايا هي جزء من هويتها السياسية والفكرية.

تمتلئ شوارع طهران بلافتات تربط بين مسيرة الإمام الشهيد وبين القضية الفلسطينية والمقاومة في جنوب لبنان


أحاديث مَن تلتقيهم من الإيرانيين من مختلف الأعمار والمهن والخلفيات ليست متطابقة؛ إذ لا يستخدم الجميع اللغة نفسها ولا يركزون على القضايا ذاتها، إلا أن فلسطين ولبنان حاضران بصورة لافتة في معظم النقاشات. بالنسبة إلى كثيرين، لا يمثّل البلدان مجرّد ملفّين في السياسة الخارجية، بل يشكلان قضية أخلاقية وإنسانية ارتبطت بتاريخ الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها، ويرون أن الإمام الخامنئي أولاهما مكانة خاصة في خطابه ومواقفه.

كثيرون يربطون بين مراسم التشييع وما يصفونه باستمرار العدوان على الفلسطينيين واللبنانيين، معتبرين أن حضور فلسطين ولبنان في هذه الأيام ليس تفصيلاً، بل تعبير عن تمسكهم بخيارات يرون أنها ستستمرّ بعد رحيل الإمام، تماماً كما كانت حاضرة في حياته.
في الساحات والأسواق والأحياء القديمة والحديثة، يلفت الحضور الكثيف لصور القادة الفلسطينيين واللبنانيين إلى جانب صور القدس، في مشهد يعكس المكانة التي تحتلّها القضية الفلسطينية في الوعي العام لدى عدد كبير من المشاركين في التحضيرات. بالنسبة إلى كثيرين منهم، لا ينفصل الحديث عن الإمام الشهيد عن الحديث عن فلسطين ولبنان، كما لا تنفصل مراسم التشييع عن الرسائل السياسية والإنسانية التي يرغبون في إيصالها إلى العالم.

الآلاف يتجمّعون مع حلول المساء في بعض الساحات العامة للتعبير عن حزنهم على استشهاد الإمام. وبين الحشود، ترتفع الأعلام الفلسطينية وأعلام «حزب الله». يتوقف كثيرون طويلاً أمام صور لشهداء من الحزب، يتأمّلون الوجوه بصمت، ويغلب التأثر على بعضهم فيذرفون الدموع. تتلاشى المسافة بين جنوب لبنان وطهران، وكأن وجوه الشهداء تستحضر في ذاكرتهم عائلات يعرفونها، وأمّهات فقدن أبناءهن، وأطفالاً ينتظرون آباءهم.

ورغم الطابع الاستثنائي الذي تعيشه هذه الأيام، تبقى طهران مدينة نابضة بالحياة، تجمع بين الأبراج الحديثة والأسواق التقليدية والحدائق الواسعة والمراكز الثقافية والجامعات. ورغم التحديات الاقتصادية التي يتحدث عنها كثير من المواطنين، فإن إيقاع الحياة لا يتوقف؛ فالمقاهي والمكتبات والأسواق تعجّ بالناس، فيما تتواصل الاستعدادات للمراسم في معظم أنحاء المدينة.

انطباع واحد يترسّخ لدى الزائر: جنوب لبنان والقضية الفلسطينية ليسا هامشاً في المشهد هنا، بل القلب النابض لهذه المناسبة. ولذلك، من يزُر طهران هذه الأيام لا يشاهد مدينة تستعدّ لتشييع قائدها فحسب، بل مدينة تسعى إلى التعبير عبر هذا الحدث، عن القضايا والمواقف التي يرى كثير من أبنائها أنها ستبقى حاضرة في وجدانهم، مهما تبدّلت الظروف وتعاقبت الأحداث وكبرت التضحيات.

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة