*لبنان الغارق في وحول السياسة!*
*أحمد بهجة*
لبنان كله غارق في وحول السياسة حتى الأذنين، لا أحد يريد الاهتمام بالشؤون الأخرى، بل نرى أنّ كلّ الأمور معلّقة بانتظار الحلول السياسية، حتى تلك المسائل الصغيرة التي يمكن حلها على مستوى الموظفين شرط أن يكون هناك مسؤول يعطي التوجيهات اللازمة لأولئك الموظفين!
وإذا وُجدَ مسؤول هنا أو هناك يعطي تعليمات ما، فإنها تكون غالباً تعليمات لارتكاب مخالفات قانونية وليس لإنجاز ما هو في مصلحة المواطنين ومعاملاتهم العالقة في الأدراج، وفي معظم الأحيان نجد أنّ هناك في السلطات العليا مَن يغطي تلك المخالفات حتى صار ممكناً القول إنّ مخالفة القانون في الوزارات والمؤسسات والإدارات العامة باتت هي الأصل في عمل معظم المسؤولين والوزراء، الذين يعودون إلى مجلس الوزراء لتغطية ما يقومون به أو إيجاد تسوية ما تسمح لهم بقوننة الارتكابات، ولا تكاد تخلو جلسة حكومية من تمرير ملفات فيها تجاوزات قانونية.
المعالجات اللازمة لهذا المسار الخاطئ موجودة ومتوافرة، وشرطها الوحيد أن يقتنع كبار المسؤولين بأنّ بعضهم يجب أن يتركّز عمله على الشؤون غير السياسية، إذ ليس مطلوباً من كلّ المسؤولين الاهتمام بالسياسة والمتابعة التفصيلية لقضايا السياسة، بل المطلوب هو أن يتفرّغ المسؤولون المعنيّون لمتابعة شؤون الإدارة والخدمات التي تهمّ الناس، والتركيز على أن يكون هذا الاهتمام ضمن القوانين لا أن يكون للاستمرار في المخالفات المشكو منها.
نحتاج في لبنان إلى حلول سريعة وعاجلة للكثير من المشاكل والأزمات، في كلّ المجالات... الطرقات والكهرباء والمياه والاتصالات والنفايات، وأيضاً معالجة مشاكل وأزمات القطاعات الإنتاجية... الزراعة والصناعة والسياحة، وهي التي تشكل قطاعات الاقتصاد الحقيقي، ومن دونها لا يمكن الحديث عن التنمية والنمو.
طبعاً في أجواء الحرب هناك تأثيرات سلبية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في المناطق التي تعرّضت وتتعرّض مباشرة لمفاعيل الحرب وأوّلها الخسائر في الأرواح، فضلاً عن النزوح والدمار والتفجيرات، ولكن رغم كلّ هذه الآلام التي تتحمّلها بيئة المقاومة ومناطقها، ومعها المناطق التي استضافت النازحين، فإنّ قدرة الناس على التحمّل والصبر كانت غير عادية، وإذا عبّر أحد ما عن صرخة ألم أو حزن على مَن فقدَ من أحبّاء وأعزّاء، فإنّ على الجميع ليس فقط أن يكون متفهّماً بل أيضاً أن يسعى لبلسمة الجراح والقيام بأقلّ الواجب من أجل التخفيف عن هؤلاء الناس الموجوعين،
خاصة مع الإعلان عن وقف النار الذي بدأ تنفيذه فعلياً بعد توقيع مذكرة التفاهم الإيرانية ـ الأميركية في 17 حزيران الماضي، وهذا ما تلقّت عليه إيران الشكر والامتنان من كلّ المسؤولين في لبنان، لا سيما الشكر المباشر الذي وجّهه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حين اتصل به وزير الخارجية الإيراني السيد عباس عراقجي.
لكن بعد أيام قليلة عاد جيش العدو "الإسرائيلي" ليتفلّت من الالتزامات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، تنفيذاً للبند الأول من التفاهم مع إيران المتعلّق بوقف الحرب كلياً في المنطقة بما في ذلك لبنان مع تأكيد هذا الأمر ثلاث مرات في البند المذكور.
ومع توقيع السفراء على الاتفاق اللبناني ـ "الإسرائيلي" في 26 حزيران في واشنطن، تمكّن نتنياهو من التفلت بشكل شبه كامل من الاتفاق الإيراني ـ الأميركي، لأنّ الاتفاق مع لبنان يعطيه حرية الحركة، الأمر الذي ترجمه لتفجيرات تدميرية في معظم القرى الجنوبية المحتلة.
الحقيقة هنا واضحة جداً ولا حاجة للجدل في شأنها، وسوف تتوضّح أكثر فأكثر مع الأيام، خاصة خلال شهر آب المقبل حين تنتهي مهلة الستين يوماً الواردة في التفاهم الإيراني ـ الأميركي.
ولكن ما نريد تأكيده هنا هو أنّ على الرؤساء والوزراء والإدارات والمؤسسات العامة تفعيل العمل والإنتاجيّة لإنجاز ما يمكن إنجازه على طريق تطبيق ما ورد من وعود في خطاب القسم والبيان الوزاري، لا سيما البنود المتعلقة بالمواضيع الاقتصادية والاجتماعية والإنمائية، لأنّ الوعود السياسية تمّ تناسيها على الأرجح...


