*عبد الهادي محفوظ*
لا يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منفتح على "تعددية قطبية" تطمح إليها روسيا والصين وإيران والدول الإقليمية مثل مصر وباكستان ودول الخليج والعالم الثالث وأميركا اللاتينية. وحتى أوروبا الغربية. فلا زالت حساباته الحقيقية هي الاستئثار بالأحادية القطبية وتجديدها وباللاعب الأوحد وتهميش الأمم المتحدة ومجلس الأمن واستتباع أوروبا الغربية وربط دول الناتو بالقرار الأميركي وحده والتحكم بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي واليونيسكو واليونيسيف وبالمعابر الدولية والحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية الممثلة بدول أميركا اللاتينية وبالشركات المتعددة الجنسية العابرة للحدود وأحد أدوات ترامب الأساسية "الماسونية العالمية" المتغلغلة في مؤسسات الدول قاطبة وتمتلك حضورا في المجتمعات الأهلية والسياسية والمدنية وأحزابها. كما أن فكرة "الأحادية القطبية" واستمرارها لا تستبعد الحروب والحصار والاحتلال كما جرى في فنزويلا وما سيجري مع جزيرة غرينلاند والتحكم بمضيق باناما وإقامة القواعد العسكرية الأميركية ونشر الأساطيل في البحار وحتى استخدام "الأسلحة التكتيكية" كما جرى في مطار بغداد خلال الحرب الأميركية على العراق في مثال يمكن أن يتكرر.
في قمة أنقرة للناتو عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن حرصه على أحادية القطب الأميركية. "الكلمة النهائية" له في سياسات الناتو وتفويض تركيا سياسة احتواء إيران في المنطقة ولبنان ومعها أيضا احتواء سياسة التوسع الإسرائيلي مع حفظ "الدولة العبرية" لحدودها ومع "سلطة فلسطينية" تحمل شكلا اسم الدولة بهدف احتواء الاعتراض الفلسطيني والعربي وتحديدا السعودي. وفي مرامي الرئيس ترامب اختراق "دار الإسلام". أي بذر توتر ما بين المكوّنات الإسلامية على اختلافها. والسؤال الأساسي المطروح حاليا هل يمضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مغامرات عسكرية من سوريا باتجاه لبنان وهل تحتمل البنية السورية ومكوّناتها مثل هذه المغامرة وماذا تفعل تركيا في هذه الحالة في علاقتها مع أكراد تركيا ومع الطائفة العلوية فيها ومع المعارضة التركية والأرمنية وخصوصا وأن روسيا والصين وإيران هي دول تعترض على مثل هذا التوجه التركي الذي بدأت معالمه تبرز في توجه مجموعات إسلامية متطرفة إلى الحدود مع لبنان تنتظر ضوءا أخضرا تركيا يتلمّس عدم اعتراض الدول الخليجية عليه والتوقيت المناسب. فواشنطن تريد تهدئة جبهة الجنوب وإشغال حزب الله بجبهة أخرى في البقاع وإثارة نزاعات داخلية فيه. هذا ما تستنتجه مصادر ديبلوماسية أوروبية غربية في متابعتها لما جرى في كواليس قمة أنقرة. وفي هذا السياق لا تستبعد هذه المصادر بأن تقدم قوات أميركية برية على محاولة احتلال أراضي إيرانية قليلة السكان والتمركز بها لتوسيع دائرة الضغط الأميركية.
خلط الأوراق هو ما رمى إليه الرئيس ترامب في قمة أنقرة. فالهدف تطويق إيران أمنيا وبأحلاف جديدة وتحريك المعارضة فيها وجذب حلفائها أو تحييدهم. فالرئيس الأميركي تحدّث في أنقرة عن أنه يسعى إلى "حل سلمي" للحرب الروسية-الأوكرانية عبر جمع الرئيسين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي. ومثل هذه المحاولة تنظر إليها موسكو بريبة وحذر وتحفّظ. إذ هي مصحوبة بعسكرة أوروبا ودعمها لأوكرانيا. فما تريده موسكو مسبقا من واشنطن هو "اعتراف دولي بعودة الأراضي المحررة لروسيا" وتراجع حلف الناتو عن مخططاته التوسعية إضافة إلى "رفع العقوبات المفروضة على روسيا". هذا ما أدلى به المستشار السياسي لوزارة الخارجية الروسية الباحث الروسي رامي الشاعر الذي شدد على أن "الضامن الحقيقي لأوكرانيا وأوروبا يكمن في التخلي عن أوهام إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا لا في وعود واشنطن وإلى أن ترامب ليس ممثلا للشرعية الدولية بل إن منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن هما المرجعية الوحيدة في هذا الشأن". ويختم الشاعر كلامه "إن الدور الأميركي يجب أن ينحصر في التوقف الفوري عن التدخل المباشر في جذور الأزمات الخليجية والأوكرانية والعربية-الإسرائيلية".
وأما التقديرات النهائية المشتركة لكل من روسيا والصين فهي أن الرئيس ترامب أوقع نفسه والعالم في مأزق في حربه على إيران ولا يعرف كيف يخرج منه في محاولة يائسة للحفاظ على "الهيمنة الأحادية". فتعقيدات أزمة مضيق هرمز ومعها الأزمة الأوكرانية عززت مسار تحول العالم نحو تعددية قطبية فاعلة بدلا من نظام القطبية الأميركية الواحدة. ومعنى هذا الأمر أن موسكو وبكين لن تكونان سندا للرئيس ترامب في المستقبل المنظور. وهذا مؤشر على أن مسار التوترات الدولية سيطول.


