*القدس العربي: ترامب يواصل قصف إيران ويكرر أخطاءه وفي أنقرة بدت أمريكا مثل زومبي لا يخيف أحدا*

عاجل

الفئة

shadow
عادت الحرب بين الولايات المتحدة إلى دوامتها المعتادة، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو في قمة الناتو التي استضافتها تركيا هذا العام، عن نهاية وقف إطلاق النار، وأمر بشن سلسلة من الهجمات على مواقع إيرانية معظمها في جنوب البلاد وقريبا من مضيق هرمز الذي بات ورقة تؤرق ترامب.
وتكررت دوامة الغارات والرد الإيراني الذي عادة ما يطال مصالح أمريكية في منطقة الخليج. ففي الوقت الذي قالت فيه القيادة المركزية إنها شنت غارات مكثفة واستهدفت أكثر من 170موقعا وفي 48 ساعة، 
ردت إيران بأنها ضربت أكثر من 85 هدفا أمريكيا في البحرين والكويت.
ومع أنه أكد أن وقف النار قد انتهى، إلا أن ترامب أكد بعد أيام أن المحادثات مستمرة بين الطرفين، حيث من المتوقع أن يلتقي وفدا البلدين في إسلام آباد لمناقشة البنود الواردة في خطة اتفاق إطلاق النار «المنتهية».
ومن هنا المفارقة في هذه المواجهة التي كشفت عن القوة الحقيقية لأمريكا، فترامب يتصرف وكأن ساحة الحرب التي بدأها مع إسرائيل ضد إيران لم تتغير، مع أن واقعها تغير وأن إيران باتت تملك أوراق ضغط، تعرف كيفية استخدامها.

 *غياب الثقة* 

ويرى سينا توسي في مقال بصحيفة «الغارديان» (9/7/2026) أن تصريحات ترامب بنهاية وقف إطلاق النار وعودته لمعاقبة إيران كلما استهدفت ناقلة أو سفينة قريبة من مضيق هرمز، تعكس في الحقيقة جوهر غياب الثقة القائم بين الطرفين. ويرى توسي أن انهيار مذكرة التفاهم المكونة من 14 نقطة لم يبدأ هذا الأسبوع، 
فقد بدأت تتداعى تقريبا منذ لحظة توقيعها بسبب المشكلة الجوهرية التي لازمت الدبلوماسية الأمريكية-الإيرانية لعقود وهي غياب أي أساس قوي للثقة.
فلم يكن لدى طهران أسباب كافية للاعتقاد بأن واشنطن ستقدم تخفيفا دائما للعقوبات أو تتخلى عن استراتيجيتها طويلة الأمد القائمة على الإكراه والسعي لتغيير النظام، بل وتمتنع عن العودة لتلك السياسات نفسها بمجرد أن تتخلى إيران عن أهم أوراق الضغط التي تمتلكها.
ومن هنا تحول الصراع حول مضيق هرمز إلى القضية المحورية التي تحدد مصير المذكرة، بدلا من كونه مجرد نزاع هامشي.
كما وأشارت المذكرة إلى خلل جوهري في فهم الطرفين لها، وهي أنها ستكون بمثابة جسر نحو تسوية شاملة، ذلك أن أيا منهما لم يقتنع بأن الآخر سيفي بالالتزامات الأكثر أهمية الواردة فيها.
فمن وجهة نظر طهران، بدأت واشنطن في انتهاك بنود أساسية على الفور، إذ لم ينفذ البند الأول من المذكرة -الذي دعا إلى إنهاء الحرب في لبنان- حيث واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها وحافظت على وجودها في أجزاء من البلاد. 
كما أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة قاومت الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة بالحجم الذي توقعته طهران. 
واستمر ترامب في إطلاق تهديدات عسكرية، بما في ذلك التهديد العلني باختطاف المفاوضين الإيرانيين خلال الجولة الأولى من المحادثات في سويسرا.
ثم في 7 تموز/يوليو، ألغت الولايات المتحدة الإعفاء الممنوح لإيران بشأن تصدير النفط، وذلك في وقت كانت طهران تسعى فيه لترسيخ سيطرتها على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ليس من خلال إغلاق المضيق نهائيا، بل عبر إجبار السفن على المرور عبر المسار الشمالي المحدد بدلا من المسار الجنوبي المدعوم أمريكيا.
وعليه توصل كل طرف إلى أن الآخر يكتفي باقتناص التنازلات بدون أن يقدم ما لديه منها. ومع ذلك، فإن انعدام الثقة المتبادل هذا ليس مجرد نتاج لأحداث وقعت مؤخرا، بل هو انعكاس لعقود من الدبلوماسية الفاشلة.
وباتت إيران ترى في ورقة هرمز، رصيدا استراتيجيا أهم من الردع النووي. وهو ما يعكس تطورا أوسع في الفكر الاستراتيجي لطهران، إذ تمتلك إيران اليوم ثلاثة أشكال رئيسية من أوراق الضغط في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
يتمثل الشكل الأول في قدراتها العسكرية وشبكة تحالفاتها الإقليمية، بما في ذلك ترسانة الصواريخ والمسيرات، والقدرات البحرية غير التقليدية، وشركاء مثل حزب الله والحوثيين وجماعات مسلحة في العراق. ورغم أن هذه العناصر قادرة على فرض تكاليف عسكرية باهظة، إلا أنه من غير المرجح أن تؤدي النجاحات الميدانية -مهما بلغت- إلى تغيير جوهري في موازين القوى أمام القوة العسكرية المشتركة للولايات المتحدة وإسرائيل.
ويتمثل العنصر الثاني في برنامج إيران النووي، الذي طالما كان ورقة المساومة الرئيسية لطهران مع واشنطن، ورغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بمنشآتها المعلنة، لا يزال البرنامج يمنح إيران خيارات مهمة حال قررت السعي الحثيث لامتلاك القنبلة النووية.
ومع ذلك، فقد أصبح مصدر النفوذ الثالث، أي السيطرة على الممرات الاستراتيجية الحيوية للطاقة في المنطقة، وعلى رأسها مضيق هرمز عنصرا لا غنى عنه بشكل متزايد.
وينطوي هذا التحول على درس مهم لواشنطن، إذ لا تكمن المسألة ببساطة في مدى استعداد إيران للتفاوض، بل فيما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تقديم ترتيبات تعتقد طهران أنها ستصمد حتى بعد تخليها عن أوراق قوتها. 
وعليه ستواصل واشنطن ارتكاب نفس الأخطاء القديمة، حالة لم تدرك عمق التغيير الذي أحدثته الحرب في الحسابات الاستراتيجية لطهران. 
وستواصل التفاوض بناء على افتراضات لم تعد قائمة، وستستمر في إبرام اتفاقيات لن يلتزم بها أي من الطرفين.

 *تخبط ترامب* 

وعليه يرى توم نيكولز في مجلة «ذي أتلانتك» (8/7/2026) أن العودة إلى الحرب هي صورة عن وهم لدى الرئيس بأنه من يتحكم بالحرب التي أشعلها بدون تخطيط، وقد خسرها الآن، فالإيرانيون هم الآن من يحددون شروطها، ويوجهون إهانات متكررة له. ولفت النظر إلى التغير في لهجة ترامب، حيث وصف قادة إيران من أنقرة بـ«الحثالة» و«المرضى» ويقودهم «أناس شرسون وعنيفون». 
وهو تحول في لهجته عن الشهر الماضي حيث قال كلاما جيدا عنهم: «نحن نتعامل مع أناس أعتقد أنهم عقلانيون جدا، وكان التعامل معهم ممتعا» ووصفهم بأنهم «أقوياء، أذكياء» وغير ذلك من المديح.
وحتى بمعاييره الخاصة، كان ترامب متخبطا في تصريحاته أثناء قمة الناتو، فخلال 24 ساعة، جدد مطالبه بضم الولايات المتحدة لغرينلاند وخلط بين إيران واليابان، وبين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
كما أشار إلى أن مقاطع الفيديو الخاصة به تحظى بشعبية على «تيك توك»، وهو من أنشأ «تيك توك».
فلا عجب إذا أن يبدو عاجزا عن تقديم إجابات منطقية على أسئلة حول تجدد الأعمال العدائية مع إيران.
ومن جانبهم أعرب الإيرانيون عن عدم اكتراث بما يقوله الرئيس، فهم مستعدون لإلحاق المزيد من الضرر بدول الخليج، ومستعدون لتحمل تبعات ذلك. 
وهذه مؤشرات عن دولة تخوض حربا بدلا من مجرد رد فعل عليها، مقارنة مع إدارة ترامب، التي دخلت هذه الحرب متخبطة دون استراتيجية واضحة، معتمدة بدلا من ذلك على افتراضات خاطئة ومعلومات قديمة وحدس الرئيس.

 *الجمهورية الثانية* 

ويبدو أن إدارة ترامب ترفض التعامل مع تداعيات حربها ضد إيران، فبدلا من إسقاط النظام بقتل مرشده على مدى أربعة عقود، فتحت أمريكا المجال أمام قيادة جديدة واثقة من نفسها.
وحتى في غياب المرشد الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، الذي لم يحضر جنازة والده وعائلته الحاشدة التي طافت المدن الإيرانية والنجف وكربلاء في العراق، كانت هذه القيادة قادرة على تقديم صورة «انتصار» وقوة بدلا من ضعف.
ومن هنا رأت مجلة «إيكونوميست» (8/7/2026) أن قادة النظام الجديد ربما رحبوا بقراره المتعجل بالعودة للحرب، وأنهم نجحوا باستفزازه. ولم تستبعد المجلة تراجع ترامب عن مواقفه، إلا أن الواقع يشير إلى مزاج عدائي يطغى على الطرفين. فالقيادة التي برزت في إيران منذ وفاة خامنئي تبدو أكثر حرصا على إظهار القوة، وإرهاق ترامب والتفاوض عبر الضغط العسكري، بدلا من الدبلوماسية. وأضافت أن جنازة خامنئي تقدم لمحة مبكرة عن النظام الجديد الذي يحكم إيران، وما يسميه بعض الإيرانيين الآن بالجمهورية الثانية. فقد اختفت الطقوس التقليدية التي رافقت دفن آية الله روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية، عام 1989، حيث نقل جثمانه على عجل إلى مثواه الأخير، بعد ثلاثة أيام من وفاته، ملفوفا بكفن أبيض بسيط.
وفي المقابل، أمضى المسؤولون 126 يوما في التحضير لجنازة خامنئي، التي وصفوها بأنها أكبر جنازة رسمية في التاريخ.
وسافر نعشه لمدة ستة أيام لمسافة تزيد عن 2.900 كيلومتر عبر خمس مدن ودولتين، بما في ذلك العراق. 
كما كشفت المراسم عن تحول في مركز ثقل النظام، حيث احتل جنرالات الحرس الثوري الذين أداروا الحرب مكانة بارزة. وبدا أن حكام إيران لا يدفنون قائدهم الأعلى فحسب، بل ويدفنون أيضا النظام الديني الذي كان يرأسه. وتعتقد المجلة أن إيران تتحول وبشكل سريع من دولة دينية إلى دولة قومية طموحة يهيمن عليها العسكريون. 
ويبدو أن الحرس الثوري يمارس سلطته دون قيود تذكر.

 *مخاوف حزبية* 

وتعكس تصرفات ترامب مراوحة بين ما يريد تحقيقه وما يريده حزبه، فهو مقيد من ناحية السياسات الداخلية، حيث وضع قراره استئناف الحرب، حزبه الجمهوري أمام معضلة خطيرة وهو يحضر لانتخابات التجديد النصفي، وقد نقلت مجلة «بوليتيكو» (9/7/2026) عن نائب جمهوري قوله إن الرئيس «يدفعنا نحو الهاوية» مضيفة أن إعلان الرئيس عن انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، 
يجبر الجمهوريين على الاختيار بين معارضة رئيسهم أو دعم صراع قد يهدد حزبهم قبل انتخابات التجديد النصفي.
وفي الواقع تعكس تصرفات الإدارة الأمريكية صورة عن تصرفات حكومة نتنياهو في غزة ولبنان وسوريا، حيث لا تعني اتفاقيات وقف إطلاق النار أي شيء، وتواصل القوات الإسرائيلية القتل والتدمير والاغتيالات دون اهتمام باتفاق أو وثيقة.
ويبدو أن بنيامين نتنياهو الذي سيخوض انتخابات مهمة في تشرين الأول/أكتوبر يأمل على ما يبدو بفرصة العودة إلى القتال وتحقيق نصر أكبر على إيران وهو ما لم يحققه لا في غزة أو لبنان.

 *نتنياهو صاح «الذئب»* 

ومن هنا سارع نتنياهو بالقول عن «تنسيق دائم» مع ترامب بشأن إيران والحرب الجديدة على تركيا. مع أن الرئيس ترامب لم يعد مهتما وبشكل كبير للاستماع إلى ما يقوله.
وهناك على ما يبدو فجوة كبيرة بين نتنياهو وإدارة ترامب، كما أشار مقال في صحيفة «نيويورك تايمز»(5/7/2026) حيث دعت إلى ضرورة ربطها بموقف واضح من حالة الحرب الدائمة التي تبناها نتنياهو منذ هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023. 
فقد كشفت تلك الهجمات عن إسرائيل في اضعف حالاتها، ولهذا حاولت أن تستعيد قوتها ووضعت معيارا للنجاح خارج التصور: الحصانة المطلقة. 
ومن هنا تحدث نتنياهو عن «النصر الكامل» ثم شن حملة عسكرية دمرت غزة وبعدها انتقل إلى حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وأجزاء من سوريا، والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ورغم أنه من السابق لأوانه الحديث عن قطيعة تامة في التحالف الأمريكي الإسرائيلي أو في العلاقة بين ترامب ونتنياهو، لكنهما بلا شك في مفترق طرق حاسم. 
وخاصة أن طبيعة الدور المحوري لإسرائيل في السياسة الأمريكية، وهيمنتها العسكرية والاقتصادية في المنطقة، التي دعمتها ومكنتها الولايات المتحدة لفترة طويلة، ونجاح جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، كلها أمور باتت الآن في حالة تغير مستمر. لقد راهنت إسرائيل بكل ما تملك في هذه الجولة الأخيرة من الحرب على إيران، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة.
ولا يبدو قلق إسرائيل من تغير المعادلة الأمريكية بالمنطقة ضدها، أكثر من تركيا، فقد شنت إسرائيل، إعلاما وحكومة حربا ضد رجب طيب اردوغان، وباتت تتعامل معه وكأنه ملا جديد في أنقرة. وكان رد نتنياهو على تصريحات ترامب بامكانية السماح لتركيا بالحصول على طائرات الشبح إف-35 عدائيا وصداميا. 
وأشارت مجلة «فورين بوليسي» (10/7/2026) إلى أن لهجة نتنياهو الصدامية وحديثه عن نظام اردوغان «المصاب بداء الإخوان المسلمين» يهدف إلى مخاطبة قاعدته الشعبية وأنه الشخص المهيأ لحماية إسرائيل من أعدائها.
ولكن نتنياهو يطلق أكاذيبه من جديد، كتلك التي قال فيها إنه أمر بضرب إيران لأن أصابع قادتها كانت على زناد القنابل النووية.
وإذا كان هذا صحيحا، فيعتبر فشلا لنتنياهو الذي جعل من منع إيران الحصول على القنبلة النووية هدفه الأعلى. 
ومعضلة نتنياهو ألا أحد يستمع إليه الآن في أمريكا وكذا إدارة ترامب التي توقفت عن تلقي تقاريره بعدما جرها لحرب قامت على افتراضات خاطئة مع إيران.

 *بعيدا عن الكائن الضخم* 

تظهر تطورات الأسبوع الماضي ودراما الناتو أن عالم اليوم بات ينظر إلى الولايات المتحدة كزومبي ضخم ولكنه لا يملك القدرات للرد، وكما أشار مقال في صحيفة «نيويورك تايمز» (10/7/2026) فالعالم يمضي للأمام تاركا وراءه أمريكا المنغلقة على أنفسها. 
ويكتفي الآن بالاستماع لتهديداتها ولكن بدون أن يحملها على محمل الجد. وما بقي لدى أمريكا مظهر من القوة، فهي تخيف لكنها لا تفعل شيئا. 
وقد تعلم قادة العالم التعامل مع ترامب باللين من دون إثارة غضبه وعمل عكس ما يريد. وكما قال إدوارد لوس في صحيفة «فايننشال تايمز»(10/7/2026) فقد تعلمت إيران من زيف ادعاءات ترامب، ونسيانه ما قاله «لم تكسب إيران حربا أبدا ولكنها لم تخسر مفاوضات»، وذلك بعد أمره بقتل الجنرال العسكري قاسم سليماني في عام 2020. وبعد ست سنوات، نجت إيران من الحرب الأخيرة مع أمريكا، وأصبحت تملك زمام المبادرة في المفاوضات. 
ولم تكن المذكرة الموقعة التي وصفها البعض بـ«مذكرة سوء الفهم» إلا عبارة عن قائمة حوافز لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز.
وفي غضون ذلك، يجد ترامب نفسه عالقا في مأزق صنعه بنفسه. 
فقد عبر عن إحباطه في أنقرة هذا الأسبوع بتوبيخ حلفاء الناتو لعدم تقديمهم أي مساعدة خلال عملية «إبيك فيوري».
كما استأنف تصريحاته المبتذلة بشأن غرينلاند، وهو ما يعد بمثابة رد فعل دبلوماسي غير مقبول. لكن حتى هذا الأسلوب بدأ يفقد تأثيره.
ومع مرور الوقت، يجد نظراء ترامب الأوروبيبن، بالإضافة إلى مارك كارني من كندا، طرقا للتعامل مع تهديداته. وهم في المراحل الأولى من إنشاء ما يسميه كارني «شبكة علاقات واسعة» لتقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة.
وقد أبدى نظراء ترامب في تركيا موافقتهم المبدئية على ضرورة عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا. لكن مناقشاتهم الجادة تجري فيما بينهم حاليا. 
وهو ما اعتبره المعلق فريد زكريا في «واشنطن بوست» (10/7/2026) تطورا مثيرا للقلق وستدفع ثمنه أمريكا. 
وحذر من أن تقليل أوروبا من اعتمادها على أمريكا ستكون له تداعيات من ناحية عدم حاجة القارة للدعم الأمريكي. 
وقال إن اعتقادا خاطئا يسود بأن زيادة الإنفاق الدفاعي في أوروبا ستؤدي إلى انخفاض الإنفاق الدفاعي في الولايات المتحدة. رغم أن الإنفاق الدفاعي الأمريكي لم يكن يوما مرتبطا فقط باحتياجات حلف الناتو، بل يعكس دور أمريكا كقوة عظمى عالمية، بقواعدها وأساطيلها والتزاماتها المنتشرة في جميع أنحاء العالم. 
ولأكثر من 75 عاما، منحت هيمنة أمريكا داخل حلف الناتو واشنطن مزايا هائلة، حيث تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 30 قاعدة عسكرية في أنحاء أوروبا، مما مكنها من بسط نفوذها ليس فقط في أوروبا، بل أيضا في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

 واعتمدت العمليات الأمريكية في الشرق الأوسط، بما في ذلك حروب العراق وأفغانستان، وفي حرب إيران الأخيرة اعتمادا كبيرا على حقوق الوصول إلى أوروبا والتمركز والتحليق فوق أراضيها. 
وافترضت الولايات المتحدة أن حلفاءها سيدعمون استراتيجيتها العامة دائما، بما في ذلك حملاتها الاقتصادية. لكن كما كتبت سيليست والندر، المسؤولة السابقة في البنتاغون، في مجلة «فورين أفيرز»، فإن لأوروبا مصالحها وأدواتها الخاصة. فهي تحتفظ بجزء كبير من الأصول الروسية المجمدة، وتفرض عقوباتها الخاصة على قطاعات الشحن والتمويل والتكنولوجيا الروسية. 
كما أنها موطن نظام سويفت للمدفوعات، الذي كان لاستبعاد البنوك الروسية الكبرى منه دور بالغ الأهمية.
إذا أرادت واشنطن تخفيف الضغط على موسكو في صفقة مع الرئيس فلاديمير بوتين، فإن أوروبا سترفض. 
وإذا أرادت واشنطن تكثيف الضغط على إيران أو الصين، فقد تتردد أوروبا.
ثم هناك مسألة الأسلحة. 
من بين الفوائد الخفية للقيادة الأمريكية في حلف الناتو أن الأوروبيين يشترون الأسلحة الأمريكية. 
فقد اشتروا طائرات إف-35، وأنظمة هيمارس، وباتريوت، وطائرات بي-8، والعديد من الأنظمة الأخرى، ليس فقط لجودتها، بل لأنها تربط أوروبا بالولايات المتحدة. 
فالمعدات المشتركة تسهل العمليات المشتركة، كما أنها تطمئن دول المواجهة بأن القوات الأمريكية ستظل منخرطة.
لكن المسؤولين الأوروبيين يتحدثون الآن علنا عن ضرورة تقليل الاعتماد على المعدات الأمريكية. فهم يخشون أن تمتنع إدارة ترامب في المستقبل عن تزويدهم بتحديثات البرامج أو قطع الغيار أو الدعم التشغيلي.
فعندما تشعر الدنمارك بالقلق من تهديد رئيس أمريكي لغرينلاند، ستفكر مليا قبل شراء الجيل القادم من أسلحتها من الولايات المتحدة.

وفي قمة الناتو الأخيرة أطلق ترامب سلسلة من ردود الفعل، ومع مرور الوقت، سيشتاق الأمريكيون إلى حلف الناتو القديم، ليس لأنه كان عادلا، بل لأنه كان أنجح نظام أمني عرفه العالم على الإطلاق، وكانت أمريكا محوره.


كتبه: إبراهيم درويش
بتاريخ: 11.07.2026

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة