*انطفاء بوق الإبادة: ليندسي غراهام... لا أسفَ عليك!*
في خسارة أقلّ ما يمكن أن يقال عنها إنها «شخصية» بالنسبة إلى كلّ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بشكل خاص، والولايات المتحدة وإسرائيل بشكل عام، إذ توفّي السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، عن عمر يناهز الـ71 عاماً، بعد إصابته بـ«مرض سريع ومفاجئ». وبذلك، خسر ساكن البيت الأبيض رجلاً سياسياً وصف نفسه، ذات يوم، بأنه «نجم شمال ترامب»، أي مرشده، فيما فقدت حكومة نتنياهو رجلاً عُرف بمواقفه الداعمة، علناً، للإبادة الإسرائيلية؛ فمنذ عام 2023، دأب غراهام على وصف الحرب على غزة بـ«الحرب الدينية»، داعياً إسرائيل إلى «تسوية غزة بالأرض». وفي مقابلة سابقة مع «فوكس نيوز»، اعتبر غراهام أن «غزة ستبدو مثل طوكيو وبرلين في نهاية الحرب العالمية الثانية عندما تنتهي هذه الحرب»، مضيفاً أنه «إذا لم يبدُ الأمر كذلك، فإن إسرائيل تكون قد ارتكبت خطأ».
وفي مقابلة أخرى مع شبكة «سي أن أن»، سُئل غراهام عمّا إذا كان هناك، بالنسبة إليه، «حدّ أقصى» يجب أن تقول بَعده الحكومة الأميركية «دعونا نتريّث قليلاً في ما يتعلّق بالضحايا المدنيين»، فأجاب قائلاً: «لا. إذا سألَنا أحد بعد الحرب العالمية الثانية: هل هناك حدّ لما ستفعلونه للتأكد من أن اليابان وألمانيا لن تغزوَا العالم؟ هل هناك أيّ حدّ لما يجب على إسرائيل أن تفعله تجاه الأشخاص الذين يحاولون ذبح اليهود؟ الإجابة هي لا. ليس هناك حدّ». وفي الأشهر الماضية، حثّ غراهام الجيش اللبناني على الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع «حزب الله»، في حال لم يَقبل الأخير بـ«تسليم سلاحه».
وإذ لم يقدّم البيان الصادر عن مكتب غراهام، والذي نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت متأخر من مساء السبت بالتوقيت المحلي، أيّ تفاصيل إضافية حول السيناتور الجمهوري، مكتفياً بالإشارة إلى أن عائلة الأخير «تقدّر الصلوات في هذا الوقت وتطلب الخصوصية خلال هذه الفترة العصيبة للغاية»، أفادت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية بأن خدمات الطوارئ الطبية تلقّت مكالمة في تمام الساعة 8:30 مساءً تقريباً، للإبلاغ عن شخص يعاني من آلام في الصدر في منزل يملكه غراهام في «الكابيتول هيل»، وفقاً للتسجيل الصوتي. وبعد نحو 25 دقيقة، أفاد مسؤولو الطوارئ بأن «عمليات الإنعاش القلبي الرئوي» كانت قيد التنفيذ، وأن رجلاً في المنزل يعاني من توقّف في عضلة القلب. كما شارك أحد سكّان الشارع الذي يقطنه غراهام صوراً لرجل مسنّ يتمّ نقله من المنزل وتحميله في سيارة إسعاف في تمام الساعة 9:30 مساءً تقريباً، قبل نقله إلى مستشفى جامعة «جورج واشنطن».
ردود الفعل
مثّل غراهام إحدى أكثر الشخصيات نفوذاً في واشنطن في مجال السياسة الخارجية، وهو قدّم المشورة لترامب بشأن قضايا متعدّدة من بينها إيران وروسيا. وقبيل وفاته، كان عاد للتوّ من أوكرانيا، التي أعلن منها، الجمعة، عن اتفاق مع إدارة ترامب للمضيّ قدماً في حزمة جديدة من العقوبات ضدّ روسيا. لطالما دعا غراهام إلى التدخل العسكري في الخارج، معارضاً بشدّة تخفيضات الميزانية التي تستهدف الإنفاق الدفاعي، كما عُرف بدفاعه عن استمرار الدعم الأميركي لكييف، وكان من الصقور البارزين والثابتين في مناهضة إيران.
وتعقيباً على وفاة «أكبر مشجّعي سياساته» وشريكه في لعبة «الغولف»، كتب ترامب، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أمس، أن «السيناتور ليندسي غراهام، أحد أعظم السيناتورات والشخصيات الذين عرفتُهم على الإطلاق، توفي!». مضيفاً: «كان دائم العمل، وكان وطنياً أميركياً حقيقياً. سنفتقد ليندسي كثيراً!!! التفاصيل والترتيبات ستتبع لاحقاً. إنّه أمر محزن للغاية!».
دعا غراهام إسرائيل إلى «تسوية غزّة بالأرض»
من جهته، نعى نتنياهو «صديقه الشخصي»، أمس، مؤكداً أنه وزوجته سارة «يشاطران الشعب الأميركي الحزن على فقدان صديقنا العزيز، السيناتور ليندسي غراهام». وتابع في بيان: «في لقائنا الأخير، قلت: ليندسي صديق عظيم لإسرائيل وصديق عزيز عليّ. ليس لدينا صديق أفضل من ليندسي. أدرك ليندسي أن أمن إسرائيل وأمن أميركا لا ينفصلان، وكرّس حياته للدفاع عن أميركا، وتعزيز تحالفنا». وختم: «خسرت إسرائيل أحد أعظم أصدقائها، وخسرت أميركا وطنياً عظيماً، وخسرتُ أنا صديقاً محبوباً».
أمّا الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الذي التقى بغراهام مرّتين خلال الأسبوع الماضي، فأشار إلى أن الأخير زار أوكرانيا 10 مرات منذ بدء الحرب عام 2022، وأنه «كان هنا مع شعبنا عندما كنّا في أشدّ الحاجة إليه». وأضاف أن «ليندسي كان مدافعاً حقيقياً عن الحرية والقيم التي تجعل عالمنا أكثر أماناً».
وطالما تلقّى غراهام إشادات واسعة من حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، وذلك على خلفية «التزامه الطويل تجاه (الناتو)، والصداقة العابرة للمحيط الأطلسي»، التي تتعرّض منذ عودة ترامب لضغوط شديدة. وفي هذا الإطار، لفت الأمين العام لـ«الناتو»، مارك روته، في نعيه غراهام، إلى أن الأخير كان «مدافعاً قوياً عن أميركا، يؤمن بشدة بحلف الناتو، ويعمل بنشاط لإنهاء الحرب الروسية ضدّ أوكرانيا». كما أشاد سلفه، ينس ستولتنبرغ، بـ«الالتزام الدؤوب» للسيناتور «الجمهوري» تجاه الحلف والرابطة العابرة للأطلسي، وبـ«دعمه الراسخ» لأوكرانيا.
من هو غراهام؟
نشأ غراهام في بلدة سينترال الصغيرة في ولاية كارولاينا الجنوبية، حيث أدار والداه مطعماً وقاعة بلياردو. وكان أوّل فرد من عائلته يلتحق بالجامعة، قبل أن ينال شهادته الجامعية الأولى وشهادة في القانون من «جامعة كارولاينا الجنوبية». خدم كمحامٍ في القوات الجوية، ثمّ انضم إلى الحرس الوطني الجوي لكارولاينا الجنوبية. انتُخب عضواً في مجلس النواب عام 1994، وكان أحد المدّعين خلال محاكمة عزل بيل كلينتون عام 1999.
ومع انتخابه لعضوية مجلس الشيوخ عام 2002، صنع غراهام لنفسه سمعة كأحد أكثر «صقور» السياسة الخارجية صراحةً في «الكابيتول هيل»؛ إذ أيّد حرب العراق، وحثّ، على الدوام، على توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، كما عارض الاتفاق النووي الذي تفاوضت عليه إدارة باراك أوباما، ومثّل أحد أشدّ المدافعين عن ترامب في الصراع الأخير في الشرق الأوسط.
سعى لفترة وجيزة للفوز بترشيح «الحزب الجمهوري» للرئاسة في عام 2016، وكان في البداية من أشدّ المنتقدين لترامب، الذي بدا حينها المرشّح الأوفر حظاً والمتمرّد على المؤسسة الحزبية. وآنذاك، وصف غراهام، ترامب، بأنه «أحمق، ومتعصّب يثير النعرات العرقية، والمرشّح الأكثر عيباً في تاريخ الحزب الجمهوري»، محذّراً في تغريدة «شهيرة» على «تويتر» سابقاً، من أنه «إذ رشّحنا ترامب، فسوف نُدمَّر... وسنستحق ذلك». في المقابل، وصف ترامب، غراهام، بأنه «غبي، ومن دون وزن». بيد أن العلاقة بين الرجلَين تحوّلت جذرياً بعد دخول ترامب البيت الأبيض، حيث أصبح غراهام أحد أقرب المقرّبين من الرئيس، وأحد أبرز مستشاريه حول السياسة الخارجية.
وفي السنوات التالية، «تمرّد» غراهام، لمرّة واحدة، على ممارسات ترامب، عندما اقتحم أنصار الأخير مبنى «الكابيتول هيل» في 6 كانون الثاني 2021، حيث قال له ولأنصاره: «لا تحسبوني معكم. لقد طفح الكيل». على أن تمرّده هذا لم يدُم طويلاً؛ إذ رفض التصويت لإدانة ترامب في محاكمة العزل اللاحقة، وسارع مجدّداً إلى تأييده في الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
يُشار إلى أن غراهام، البالغ من العمر 71 عاماً، كان في صدد إكمال فترة ولايته الرابعة، التي تنتهي في كانون الثاني 2027. وبموجب قانون الولاية، يمكن لحاكم ولاية كارولاينا الجنوبية، هنري مكماستر، تعيين بديل مؤقّت لشغل المنصب. وعلى الرغم من أن وفاة غراهام لن تؤثّر - في ظلّ إمكانية استبداله مؤقّتاً - على سيطرة «الجمهوريين» على «مجلس الشيوخ»، فإن ليندسي كان، طبقاً للعديد من المراقبين، لاعباً أساسياً في القضايا الرئيسَة في المجلس، التي تهمّ ترامب بشكل خاص؛ وهو ما لم يعُد قائماً.
كذلك، ونظراً إلى أن غراهام كان بصدد الترشح لإعادة انتخابه هذا العام، فإن وفاته سُطلِق سباقاً انتخابياً سريعاً (انتخابات تمهيدية خاطفة) لاستبداله على ورقة الاقتراع في شهر تشرين الثاني. ولم يعلن المسؤولون بعد عن آلية ذلك، إلا أن قانون الولاية يقضي على ما يبدو بإجراء انتخابات تمهيدية خاصة في 11 آب المقبل، مع احتمال إجراء جولة إعادة في 25 آب، لاختيار مرشّح جديد.


