تخليدًا لدمائهم الزاكية وإحياءً لذكراهم العطرة،أقام حزب الله الحفل التكريمي لشهداء المقاومة الإسلامية في بلدة رشكنانية، والذين ارتقوا في معركة العصف المأكول،
بحضور عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب حسين جشي، إلى جانب عوائل الشهداء وفعاليات وشخصيات وعلماء دين وحشود من الأهالي.
بعد تلاوة آيات من القرآن الكريم، ألقى النائب جشي كلمة أشار فيها إلى أن ما يحصل اليوم في الخليج نابع من النكسة التي أصيب بها الأميركيون والإسرائيليون وفقًا لما يقوله المراقبون المحايدون، والدليل على هذه النكسة هو أنهم، وبعد أربعين يومًا من الحرب، وبعد شهرين من الحرب المتقطعة التي يسمونها "معارك ما بين الحروب"، لم يتمكن الأميركي من فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحًا أصلًا قبل العدوان على إيران.
وقال النائب جشي: هيبة أميركا وعظمتها وإمكاناتها، بوصفها الدولة الأولى في العالم، كانت ترهب العالم كله، بعد استشهاد السيد القائد علي الخامنئي قال الجميع: من يستطيع الوقوف في وجه أميركا؟ ولكن الله سبحانه وتعالى أراد شيئًا آخر، فردّ كيدهم في نحورهم، واضطروا إلى القبول بمعظم الشروط التي أرادتها الجمهورية الإسلامية، وأصيبوا جميعًا بنكسة.
لذلك، فإن ما يحصل اليوم، هو محاولة أميركية لتحسين شروطها التفاوضية، إلا أن رد الجمهورية الإسلامية وصلابة موقفها يفوّتان هذه الفرصة، ويمنعانها من تحسين شروطها أو استعادة بعض ما خسرته خلال هذه الحرب ومن خلال مذكرة التفاهم.
وانتقل النائب جشي للحديث حول آخر المستجدات على الساحة اللبنانية،
ولفت إلى أن ما يسمى اليوم بـ"اتفاق الإطار" هو في الحقيقة اتفاق مبادئ، أي اتفاق على بعض النقاط الأساسية، قبل أن تبدأ جولات النقاش والتفاوض، التي قد تستمر لسنوات طويلة، في حين أن السلطة في لبنان محاصرة اليوم على المستوى الوطني، إذ تبيّن للبنانيين أن اتفاق الإطار يضرّ بالمصلحة الاستراتيجية للبنان، فلم يعد الاعتراض على اتفاق الإطار مقتصرًا على المقاومة وشعبها أو بيئتها، بل تجاوز ذلك إلى كثير من الفئات الأخرى، ومن مختلف المذاهب والانتماءات.
وقال النائب جشي: إن اتفاق الإطار جعل لبنان والمنطقة التي يحتلها العدو الإسرائيلي فريسة لهذا العدو، وتحت رحمة أطماعه وقرارات الولايات المتحدة، وأخطر ما في اتفاق الإطار ما أسموه إعادة التموضع الإسرائيلي، بما تنفذه السلطة في لبنان في مواجهة المقاومة وسحب سلاحها، وهكذا أصبحت المشكلة الداخلية في لبنان مطروحة على طاولة المفاوضات في واشنطن.
واستطرد النائب جشي: نحن لا ننكر أن هناك مشكلة داخلية في لبنان، بمعنى أن هناك عددًا كبيرًا من اللبنانيين يؤيدون المقاومة، وبعض الإحصاءات تقول إنهم أكثر من نصف اللبنانيين، وفي المقابل هناك من يعارض، وهذا أمر لا ننكره، لكنه يبقى مشكلة لبنانية داخلية، إلا أن اتفاق الإطار ربط وجود العدو الإسرائيلي وإعادة تموضعه داخل الأراضي اللبنانية بسحب سلاح المقاومة، وبمعنى أوضح، فإن اتفاق الإطار يتضمن عمليًا تعاونًا واضحًا بين السلطة والعدو لمواجهة المقاومة وشعبها، ومن بين جملة الأمور الخطيرة فيه، أنه لم يستخدم كلمة "الانسحاب"، بل اعتمد مصطلح "إعادة التموضع"، أي أن العدو يعيد تموضعه، فيتراجع قليلًا أو يتقدم قليلًا، من دون أي التزام بالانسحاب الكامل.
وتابع النائب جشي: الأخطر من ذلك أيضًا ما يتصل بما يسمى "المناطق التجريبية"، أي أنهم يريدون إنشاء مناطق لتجربة هذا النموذج على لبنان واللبنانيين، ولكن الذي يحدد ما إذا كان الأمر صحيحًا أو خاطئًا هو الأميركي والإسرائيلي، وهنا تكمن خطورة إضافية،
وقد صرّح فخامة رئيس الجمهورية لصحيفة «الشرق الأوسط» قائلًا: "اخترنا التفاوض لاختصار مدة الاحتلال ومعاناة الجنوبيين". لكن هنا نسأل فخامته، خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، ومن خلال المفاوضات الدبلوماسية التي أجراها هو ودولة رئيس الحكومة، ثم عبر خمس جولات من المفاوضات المباشرة في واشنطن، وهو الذي يؤكد دائمًا أن لبنان يستعيد حقوقه بالطرق الدبلوماسية، هل استطاعت هذه الجهود الدبلوماسية، قبل الحرب وأثناءها وبعدها، أن تحرر شبرًا واحدًا من الأراضي اللبنانية؟
ونحن نعرف الجواب بأنها لم تحرر شبرًا واحدًا حتى، بل أكثر من ذلك، أعطيتم العدو الإسرائيلي ما يريد، ولم تحصلوا على أي شيء في المقابل.
وأشار النائب جشي إلى ما يقوله رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، بأن وجودهم في لبنان اليوم شرعي لأنه يحظى بموافقة السلطة اللبنانية، وإن هذه السلطة توافق على هذا الوجود إلى حين إيجاد الطريق لسحب سلاح المقاومة، فهل هناك ما هو أخطر من ذلك؟ لذلك نقول لفخامة رئيس الجمهورية إن كل هذه الجهود الدبلوماسية لم تعطِ أي نتيجة، ولم يرَ اللبنانيون أي ثمرة إيجابية لهذه المفاوضات، سواء قبل الحرب أو بعدها، فهذا العدو لا يفهم إلا لغة واحدة، وهي لغة القوة، وجميعنا يعلم أن وقف إطلاق النار جاء بأمر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو،
استنادًا إلى مذكرة التفاهم التي أُبرمت في إسلام آباد، وبالتالي فإن ذلك ليس إنجازًا يُمنّ به على اللبنانيين، وحتى الآن لم نحصل على شيء، وسبق لفخامة الرئيس أن وصف الرئيس ترامب بـ"الصديق"، لكن ما الفائدة التي جناها لبنان من هذه الصداقة؟
فالرئيس ترامب هو نفسه الذي يزوّد إسرائيل بالطائرات الأميركية والقنابل الأميركية التي تقتل اللبنانيين، وتهدم بيوتهم، وتدمّر أرزاقهم، فكيف يكون صديقًا وهو يتسبب بهذا القدر من القتل والدمار والأذى الذي يلحق باللبنانيين؟
وقال النائب جشي: أما ما قيل في تصريح فخامة رئيس الجمهورية لصحيفة «الشرق الأوسط» أيضًا عن الرغبة في الاستعانة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب لإقناع إسرائيل بالانسحاب، فلا بد من بعض التوضيح، إذا كان الرئيس ترامب قادرًا على التأثير في إسرائيل، فلماذا لا يفعل ذلك الآن؟ فالرئيس ترامب هو نفسه الذي، بعد مذكرة التفاهم، أمر رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو بوقف إطلاق النار في لبنان، كما أنه صرّح بعد حرب حزيران الأخيرة، عندما كانت طائرات إسرائيلية متجهة لقصف إيران نتيجة ما وصفه بالتباس معين، بأنه اتصل بنتنياهو، وأعاد الطائرات، ومنع تنفيذ الغارة.
فإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان الرئيس ترامب صديقًا للبنان كما يُقال، فإن المسألة لا تحتاج إلى أكثر من اتصال هاتفي يطلب فيه انسحاب إسرائيل، بل إن ترامب نفسه قال إن نتنياهو يلتزم بما يطلبه منه.
لذلك، فإن الحديث عن هذه الصداقة لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنها لم تحقق أي فائدة للبنان، فكيف يكون صديقًا لرئيس الجمهورية، وفي الوقت نفسه يكون عدوًا للبنان؟
وتابع النائب جشي: من الجنوب الجريح الصامد والشامخ بشموخ أهله وأبنائه المقاومين، وباسم الشهداء والجرحى وعائلاتهم الشريفة الصابرة والمحتسبة، نطالب فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة بالتراجع عما أقدما عليه من خطيئة فيما يسمى باتفاق الإطار، لأنهما متّهمان بالتفريط بالسيادة اللبنانية، ودليل ذلك أن أبناء الجنوب لا يستطيعون العودة إلى قراهم اليوم بموجب هذا الاتفاق، وأن العدو الإسرائيلي لا يزال يواصل اعتداءاته اليومية ويقتل اللبنانيين يوميًا، ما يطرح سؤالًا حول جدوى اتفاق الإطار وما الذي حققه؟
وأردف النائب جشي: اتفاق الإطار لم تعلن السلطات اللبنانية عن بنوده حتى الآن، ولم يُعرض حتى على مجلس الوزراء، بل إن ما جرى تداوله تم تسريبه من العدو الذي يعتبره إنجازًا ومفخرة له.
فإذا كان اتفاق الإطار يصب فعلًا في مصلحة لبنان، فلماذا لم يُعرض على اللبنانيين بشفافية؟ ففخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة هما وكيلان عن الشعب اللبناني لتحقيق مصالحه، أما إذا كان أي إجراء يتعارض مع مصلحة اللبنانيين، فإن الوكالة لا تخوّل القيام بما يضر بمصالحهم أو بما يخدم العدو ضدهم.
وأكثر من ذلك، يقال لنا اليوم إننا نتهم فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس الحكومة باتهامات في غير محلها.
حسنًا، إذا كان الأمر كذلك، فليتفضل فخامته ودولته ويبيّنا للشعب اللبناني، الذي ائتمنهما على إدارة شؤونه، ما الذي وقّعا عليه، وما هي المصلحة التي يحققها للبنان واللبنانيين بذلك، لأن ما تسرّب من العدو الإسرائيلي يفيد بأن هذا الاتفاق يتضمن تفريطًا بالسيادة اللبنانية، وأن العدو الإسرائيلي يمنع اليوم اللبنانيين من العودة إلى قراهم باسم اتفاق الإطار، كما أن الاتفاق يتضمن وقف الدعاوى القضائية بحق العدو الإسرائيلي على الجرائم التي ارتكبها، فإذا كان ذلك صحيحًا، فما مبرر إسقاط هذه الدعاوى عن الجرائم المرتكبة؟
وختم النائب جشي: إذا كان ما تسرّب صحيحًا، فإنكما ارتكبتما خطيئة كبيرة، والتراجع عن الخطأ فضيلة، فضلًا عن خطيئة تجريم المقاومة، لذلك ندعوكما إلى التراجع عما أخطأتما، فكل ابن آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون.
وإذا كان هذا الأمر صحيحًا، وأنتما مصرّان عليه، فاعلما أنه لا سبيل إلى تنفيذ ما يسمى باتفاق الإطار، ولا ما يتصل بالمناطق التجريبية أو الخطوط الصفراء والحمراء وما شابه ذلك، فهذا الشعب الأبي والمقاوم والصابر، الذي واجه هذا العدو وقاتله على مدى ثمانية عشر عامًا حتى أخرجه ذليلًا من أرضنا، سيجدد العهد، وسيواصل مواجهة هذا العدو،
وسيعود إلى أرضه بعون الله تعالى عزيزًا كريمًا شريفًا، كما كان دائمًا، بفضل المقاومة وشعبها وأهلها.


