من كتاب «نهضة الحسين»
د. علي المؤمن
متابعة / جعفر اللامي.
إنّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) مشروعٌ إصلاحيٌّ متكامل، يقوم على الوعي والعقلانية وإحياء القيم الإسلامية الأصيلة. ومن أخطر التحديات التي تواجه هذه النهضة محاولات تشويه رسالتها من خلال الخرافة والغلو والممارسات التي لا تمتّ إلى مدرسة أهل البيت بصلة.
وفي هذا المقطع من كتاب «نهضة الحسين»، يسلّط الدكتور علي المؤمن الضوء على هذه الظاهرة، محذّرًا من آثارها على صورة التشيع ورسالة الإمام الحسين..
«يستغل بعض من يرتقي منبر أهل البيت، أو يضع العمامة الشيعية على رأسه، أو يمتلك قناةً تلفزيونية تتكلم باسم التشيع، مواسم عاشوراء في كل سنة؛ ليعرض أحاديث وسلوكيات تشوّه نقاء مذهب آل البيت وأصالته وعقلانيته، وتصب في مصلحة مذاهب التكفير المعادية لأهل البيت؛ لأنّ هذه الممارسات والأقوال المنسوبة إلى التشيع تتعارض مع مقاصد الإصلاح والوعي في نهضة الإمام الحسين، وتتعارض أيضًا مع فتاوى المرجعية العليا وتوجيهاتها التي تصدرها إلى الأمة عمومًا، وإلى خطباء المنبر والقائمين على الشعائر الحسينية خصوصًا، كما أنّها تنفّر الآخر الديني والمذهبي من التشيع.
ومن ذلك ما يقوم به هؤلاء التحريفيون من المجاهرة بالخرافة والبدع قولًا وسلوكًا، والغلو بأئمة أهل البيت، وسبّ رموز المدرسة السنية، وكلها قراءات لا علاقة لها بمدرسة آل البيت..
وسواء كان هؤلاء حسني النوايا ويعانون من الغفلة والجهل والسذاجة، أو كانوا شخصانيين يدفعهم العناد والغرور، أو كانوا ينتسبون إلى مدارس الانحراف والخرافة، أو كانوا مرتبطين بأجندات تخريبية معادية للمذهب؛ فإنهم ـ في كل الحالات ـ يستبيحون منبر أهل البيت، ويحوّلونه إلى منبر للضلال والغلو والانحراف وتشويه صورة مذهب أهل البيت، أو إلى منبر للتحليل السياسي وفرض المواقف السياسية على المستمعين.
ولا يحترمون عقول مستمعيهم، وبالنتيجة يظهر بعض الخطباء وكأنّه متخصص في جميع الشؤون والعلوم، مع أنّ كثيرًا منهم لم يُنهِ سطوح العلوم الحوزوية، ولم يتخرج حتى في المرحلة الثانوية..
والخطير في الأمر أنّ مدارس التحريف والغلو الجديدة تجاهر بأنّها تمثل التشيع حصرًا، وأنّ خصومها هم المنحرفون والضالون، برغم ضآلة عدد أتباعها وافتقارها إلى الكفاءات النوعية، وعدم قبول أفكارها وسلوكياتها من الخط العام للمرجعية الدينية ومن مجمل النظام الاجتماعي الديني الشيعي.
وهي في الحقيقة مصداق (الشين) الذي يعود على أهل البيت، كما يوصي الإمام الرضا (عليه السلام) شيعته بقوله: «عليكم بتقوى الله... وكونوا زينًا ولا تكونوا شينًا، حببونا إلى الناس ولا تبغضونا، جرّوا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح...»؛ لأنّ أتباع هذه المجاميع يرتكبون ـ في آنٍ واحد ـ خطيئتين بحق التشيع والشيعة:
الخطيئة الأولى: أنّهم يقدمون أدلة مجانية مبتدعة تدعم مزاعم المدرسة الوهابية التكفيرية، وتساهم في توسيع مساحة تأثيرها على أتباع المذاهب السنية الأخرى، الأمر الذي يدفع كثيرًا من عوام السنة إلى تصديق تلك المزاعم ضد الشيعة.
الخطيئة الثانية: تشويه عقيدة آل البيت وتلويث طهرها، وتضليل الشيعة وحرف مسار حركتهم الفكرية والميدانية، عبر طرح أفكار وسلوكيات تحت عناوين: العقيدة، والشعائر، والمعاجز، والكرامات، وهي في حقيقتها تتعارض مع تعاليم آل البيت ونهضة الإمام الحسين.
ولعل من أبرز المؤشرات التمهيدية لمساعي هذا الاختطاف أنّ مدارس التجهيل والتخريف تعمل على امتلاك أكبر قدر من وسائل التعبير؛ بدءًا بالمؤسسات والجمعيات، والمدارس والمنابر، والقنوات التلفزيونية، وانتهاءً بالجماعات السياسية ومجموعات الضغط الاجتماعية والأموال الطائلة، حتى تمكنت من اختطاف مساحات مهمة من الشارع الشيعي عبر استثمار كل وسائل الجذب المؤثرة في عواطف الناس.
وعند هاتين الخطيئتين يكمن التناقض بين شعارات التحريفيين المنادية بالولاء لأهل البيت ومواساتهم والتأسي بهم، وبين أفكارهم وسلوكياتهم المتعارضة مع تعاليم أهل البيت ونهضة الإمام الحسين؛ إذ إنّ تعاليم أهل البيت تلخص عقيدة الإسلام وفقهه وأخلاقه وحكمته وعقلانيته ورشده وتحضره، وتتعارض كليًا مع الغلو والخرافة والجهل والبدع.
صحيح أنّ عناصر المناعة القوية تبقى حائلًا دون تمكن المبتدعين والمغالين الجدد من اختطاف التشيع، لكن إصرارهم على بدعهم وضلالهم وإضرارهم بمصالح الواقع الشيعي سيؤدي بهم إلى تأسيس فرق ضالة جديدة بعيدة عن مدرسة آل البيت، كما حصل مع مدارس الغلو عبر التاريخ.
إنّ هذه الأقلية من بعض أصحاب المقاتل والكتّاب والخطباء والشعراء والرواديد، التي تعمل على تشويه صورة نهضة الإمام الحسين وتلويث طهرها، هي أقلية ذات صوت عالٍ وتمتلك وسائل تعبير هائلة، لكنها ـ رغم ما تمتلكه ـ لا تستطيع اختطاف التشيع ولا نهضة الإمام الحسين، بل ستتحول بمرور الزمن إلى فرق ضالة إذا أصرت على الاستمرار في طرح أفكارها وممارسة سلوكياتها، حالها حال الشخصيات والفرق التي سبق أن انحرفت عن التشيع.»
برأيك، ما المسؤولية التي تقع على عاتق الخطيب والإعلامي والمثقف في الحفاظ على جوهر نهضة الإمام الحسين، وتقديم صورتها الأصيلة للأجيال؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:
علي ابن بابويه القمي، «فقه الرضا».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمتابعة كتابات الدكتور علي المؤمن، والاطلاع على جديد مقالاته ومؤلفاته بصيغة (PDF) عبر تلغرام:
https://t.me/alialmomen64



