*العربي الجديد: استراتيجية أميركية لاحتواء الصين عبر 3 ممرات بحرية*
تتزايد دعوات من متخصصين صينيين إلى ضرورة مواجهة التصعيد الأميركي للتوترات البحرية في محيط الصين من خلال دعم حلفائها في المنطقة، لا سيما الدول التي تتنازع مع بكين مطالب السيادة على الممرات البحرية. ونقلت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست، الثلاثاء الماضي، عن باحثين صينيين دعوتهم إلى مزيد من التنسيق بين السلطات البحرية في البلاد لمواجهة استراتيجية أميركية مارست ضغوطاً على بكين عبر ثلاثة ممرات مائية حيوية في سلسلة الجزر الأولى: مضيق تايوان وبحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي المتنازع عليه.
وقال هؤلاء إن استراتيجية الولايات المتحدة للربط بين البحار الثلاثة تهدف إلى إجبار بكين على خوض عمليات متعددة الجبهات والتوسع الاستراتيجي المفرط، وذلك من خلال مزامنة العمليات عبر نقاط التوتر في مضيق تايوان وبحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي. وتقع الممرات المائية الثلاثة على طول سلسلة الجزر الأولى، والتي تمتد على طول ساحل شرق آسيا من جزر الكوريل وصولاً إلى بورنيو، وتشمل اليابان وتايوان والفيليبين. ويفصل هذا الخط البحري المياه القريبة من الصين عن المحيط الهادئ المفتوح، وهو بالنسبة لواشنطن، بمثابة حاجز لاحتواء التوسع البحري الصيني.
تقوم الاستراتيجية الأميركية، وفق ما تنشره في دوريات صينية، على دفع الحلفاء في المنطقة مثل اليابان والفيليبين، إلى ما وراء مجالهم التقليدي الواحد لبناء شبكة تحالف متداخلة. على سبيل المثال فإن اليابان، التي كانت تركز عادةً على بحر الصين الشرقي، تشارك الآن في شؤون بحر الصين الجنوبي من خلال برنامج المساعدة الأمنية الرسمية، وتقدم معدات الأمن البحري والتدريب للفيليبين وفيتنام. كما تسببت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في حدوث شرخ دبلوماسي كبير مع بكين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما صرحت بأن هجوم الجيش الصيني على تايوان، التي تعدها الصين جزءاً من أراضيها ولا تستبعد ضمها بالقوة، قد يشكل وضعاً يهدد أمن طوكيو. ويُعد هذا وفق المنظور الصيني، تدخلاً استراتيجياً من جانب اليابان يمتد من بحر الصين الشرقي إلى بحر الصين الجنوبي، ما يجعل طوكيو المحور الرئيسي الذي يربط البحار الثلاثة معاً.
*نقاط توتر*
في غضون ذلك، تحوّلت الفيليبين أيضاً من مجرد دولة أخرى تطالب بالسيادة على بحر الصين الجنوبي إلى منصة انطلاق استراتيجية، منذ أن حصلت الولايات المتحدة على إمكانية الوصول إلى القواعد العسكرية في البلاد بموجب اتفاقية التعاون الدفاعي المعزز. ويسمح الاتفاق، الذي تم توقيعه لأول مرة في عام 2014 وجرى توسيعه في عام 2023، للقوات الأميركية بالوصول بالتناوب إلى تسع قواعد فيليبينية محددة - بما في ذلك منشآت في شمال لوزون على بعد 400 كيلومتر (249 ميلاً) من تايوان - لإجراء تدريبات مشتركة، وتخزين الإمدادات مسبقاً، وتحديث البنية التحتية. يعني هذا الترتيب المترابط أن الأزمة في أي بحر واحد يمكن أن تنتشر بسهولة وتؤدي إلى سلسلة من ردات الفعل، ما يعقد بشكل كبير استجابة بكين الاستراتيجية.
وكانت بكين قد أثارت حفيظة دول جنوب شرق آسيا بسبب تأكيدها ملكيّتها معظمَ الممر المائي الاستراتيجي في بحر الصين الجنوبي، على الرغم من حكم دولي صدر عن محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي في 2016، أقر بأن هذا الادّعاء لا أساس قانونياً له. وقد وضع هذا الأمر الصين في منافسة مع بروناي وماليزيا والفيليبين وتايوان وفيتنام، التي لها مطالبات جزئية في المناطق المتنازع عليها. وفي السنوات الأخيرة، شهدت بكين ومانيلا تصعيداً في المواجهات، بما في ذلك حوادث الاصطدام بالقوارب وإطلاق سفن خفر السواحل الصينية مدافع المياه على نظيرتها الفيليبينية. وقد أثارت هذه الاشتباكات البحرية مخاوف من أنها قد تجرّ الولايات المتحدة، حليفة الفيليبين الأمنية منذ فترة طويلة، إلى صدام مسلح مع الصين.
وانعكس توتر إضافي بين بكين ومانيلا، الثلاثاء الماضي، بإعلان مكتب الرئيس الفيليبيني فرديناند ماركوس الابن استدعاء السفير الصيني في مانيلا جينغ تشيوان، بعد ساعات من استدعاء بكين سفير مانيلا لديها جيمي فلوركروز، عقب اتهامات متبادلة من بشأن واقعة حدثت في منطقة سكند توماس شول (جزر مرجانية) في بحر الصين الجنوبي. فقد قال مسؤولون فيليبينيون إن أحد أفراد البحرية الفيليبينية تلقى ضربة على رأسه، بينما قالت وزارة الخارجية الصينية إن الجيش الفيليبيني وقوات خفر السواحل الفيليبينية يتعمّد "إثارة الاستفزازات في بحر الصين الجنوبي"، بعد اقتراب قاربين تابعين لسفينة فيليبينية "راسية بشكل غير قانوني عند رنآي جياو بطريقة خطيرة من زورق دورية تابع لخفر السواحل الصيني واصطدما به".
في هذا الصدد، يحذر مراقبون صينيون من أن الهدف المباشر للاستراتيجية الأميركية هو ممارسة الضغط على بكين وفرض تكاليف عليها، إذ تتعمد واشنطن خلق شعور بالتوترات المستمرة في المنطقة، من خلال تدوير وجودها العسكري بوتيرة عالية، وتنفيذ عمليات "حرية الملاحة"، ودعم التحركات الاستفزازية من جانب الحلفاء. وفق هؤلاء فإن واشنطن تقوم أيضاً بنشر تقارير سنوية تثير ضجة حول ما تطلق عليه أعمال الصين "القسرية". وبالتالي تسعى واشنطن إلى تحقيق نتائج طويلة الأمد من خلال "إدامة" النزاعات التي تثبط الدبلوماسية الثنائية وتفسير القواعد الدولية لصالحها. ويضيف هؤلاء المراقبون أن واشنطن سعت إلى السيطرة على الرواية من خلال تسخير القانون الدولي تحت شعار الدفاع عن "حرية الملاحة" و"النظام الدولي القائم على القواعد.
*استجابة الصين*
يرى المختص في شؤون بحر الصين الجنوبي، ما تشونغ، وهو باحث في مركز لونغ مارش للدراسات الاستراتيجية، أنّه أمام هذه الترتيبات الأميركية، ينبغي على الصين الحذر من الانجرار إلى دوامة من الاستفزازات البحرية التي تهدف إلى استنزافها على الصعيدين السياسي والعسكري، عبر إشغالها في تفاصيل وصراعات لا تنتهي. وأضاف لـ"العربي الجديد"، أن ذلك يعيق صعود الصين ونموها الاقتصادي والتكنولوجي الذي بات يشكل تهديداً للولايات المتحدة.
وفي رأيه فإن "بكين ليست في حاجة إلى دروس وعظات من أجل التعامل مع التكتيكات الأميركية التي خبرتها جيداً طيلة العقود الماضية"، معتبراً أنها "تنتهج سياسة متزنة بشأن إدارة النزاعات البحرية مع جيرانها، تقوم على أساس الحوار وحل الخلافات عبر طاولة المفاوضات". لكن مع ذلك، أشار ما تشونغ إلى أن "هذا لا يعني الاستهتار بالحقوق السيادية للصين أو التقليل من ردة فعلها إزاء التحالفات والمؤامرات التي تحاك ضدها". وشدد على "وجود تنسيق دوري بين كافة الإدارات الصينية ذات الصلة من بينها خفر السواحل والقوات البحرية، وقوات الدعم الذاتي". وأوضح أن هذه الإدارات "تعمل ضمن آليات مشتركة توفر تبادلاً للمعلومات وتقدم تقييماً آنياً وشاملاً حول التطورات في المنطقة، وذلك لضمان استجابة موحدة في وقت الأزمات".
كتبه: محمد أبو مريحين
بتاريخ: 24.07.2026


